العلاقات العربية الكردية حاضراً
ومستقبلاً

*إسماعيل زاير
نعتقد أن المشهد بشكل
عام -بالمعنى الصحفي إذا صح التعبير- مشهد العلاقات العربية الكردية مشهد مثير وهام.
أولاً لم نعد نحيا في نشاطات حقبة الحرب الباردة وأجواء المعسكرين الشرقي والغربي.
عناصر الخلل العميقة والمقلقة أصبح مصدرها الآم محلي. فضلاً عن أن مصدر القلق الخارجي
لا يأتي فقط من جهة واحدة وإنما بات متعدد الجهات. على سبيل المثال سياسة الولايات
المتحدة الأمريكية إن كان سلباً أو إيجاباً تمتد إلى جميع أنحاء العالم دون تمييز.
وسياستها في العراق بشكل خاص مثيرة للإهتمام كقوة محتلة وجيشها موجود على الأرض
وما إلى ذلك ويتدخلون في كل صغيرة وكبيرة في العراق وكذلك في لبنان وسورية ومنطقة
الخليج وإيران وتركيا، التي إستضافت اليوم السيد غيتس.
نستخلص من هذا أننا نواجه سياسة متوجهة نحو
الداخل لأهمية الأطراف الداخلية المحلية ومواقفها بهذا الصدد. بالإضافة إلى دور
الدول العظمى والقوى الإقليمية والعالمية. وهناك توتر في العلاقة بين الولايات
المتحدة والقوى المحلية حيث هناك مواجهة ومشاكل غير محلولة بعد في كل من لبنان
وسورية وإيران والعراق وتركيا وفلسطين.
إبقاء مفتاح الحل للمشكلات
الراهنة بيد القوى المحلية يصعب الأمر أكثر وذلك لأن هذه القوى وكما تعلمنا التجربة
العراقية السياسية غير ناضجة وغير مدركة لأهمية البعد الدولي. المعنى، أن ممثل
الحزب الفلاني في المعارضة العراقية أو في الحكم الحالي لا يدرك مثلاً تأثير العلاقات
التركية العراقية على الإقليم وتأثير الفيدرالية على المنطقة كالسعودية والمناطق
الأخرى. كذلك تأثير قيام فيدرالية شيعية في الجنوب على دول منطقة الخليج
مثلاً..إلخ.
الأسباب واقعية لأن هذه
هي مقدرة القوى السياسية ونحن كديمقراطيين كنا نعتقد عندما يسقط نظام دكتاتوري
كنظام صدام حسين أن يأتي نظام أكثر إحتراماً للمواطنين وأكثر تقديراً لحقوقهم وأكثر
إنسجاماَ مع بقية القوميات ولكن إكتشفنا أن الذي حدث كان العكس تماماً حيث شهدنا
تهديم وإنهيار وتفكيك هياكل الدولة العراقية بحيث فرضت الكثير من القوى السياسية المحلية
أجندتها الخاصة الخطيرة في محاولة لتطبيقها على الجميع في العراق.
في هذا الوقت بدأ تحريك
ملف العلاقات العربية الكردية وهو ملف معقد وغير محلول لحد الآن. لقد أثبت الزملاء
من قبلي كيف أن العلاقات العربية الكردية في مراحل معينة من عمرها شهدت إرتقاءً وتقدماً.
على سبيل المثال لا الحصر أُشير هنا إلى العلاقات المتميزة بين الفلسطينين وبشكل
خاص الرئيس الراحل ياسر عرفات (أبو عمار) والأطراف والقوى الكردية المختلفة، والتعاون
النضالي المشترك بين الجانبين. أما الآن فالعكس صحيح!
بإختصار شديد فأن
العلاقات العربية الكردية في اللحظة الراهنة تشهد واحدة من أكثر مراحل التدني في
العلاقات في تاريخها، لسبب يتعلق بقضايا ذات طابع إستراتيجي ومحلي في عين الوقت. ونقول
ذات طابع إستراتيجي لأن المشاكل والقضايا المشتركة وتطلعات وطموحات الشعب الكردي مع
الشعب العربي زالت من الوجود. سابقاً، رأينا كيف أن شاعراً كردياً يتحدث عن فلسطين
ويدافع عن قضية الشعب الفلسطيني، ومشاركة المناضلين الكرد ضمن صفوف المقاومة
الفلسطينية، والعرب مع الكرد. بمعنى أنه كانت هناك عناصر مشتركة كثيرة تجمع بين
الشعبين قبل عقد من الزمن أو أكثر لم تعد موجودة الآن بسبب التحولات السياسية الخارجة
عن إرادة الشعب الكردي وقواه المناضلة. فمثلاً القضية الفلسطينية ناهيك عن عدم
حلها إلى الآن فقد تعقدت أكثر وتفككت الإدارة الفسطينية وصعدت قوى أخرى عنيفة ومتشددة
وظلامية ليس لها أي علاقة من قريب أو بعيد بالأكراد. بل على العكس من ذلك، هناك
قوى وأجنحة متطرفة برزت إلى الساحة تعادي الشعب الكردي رغم أنها تتعاون مع قوى
كردية مثيلة لها.
الأمر الآخر، خلال
العقود الماضية كانت الصلة بين الشعبين العربي والكردي أكثر قرباً وقوةً. الآن
نكاد نشهد حالة جفاء أو شقاق حتى بالمعنى الجغرافي. من النادر وجود تماس أو إهتمام
لدى المواطن المغربي أو المصري مثلاً بقضايا وهموم الشعب الكردي في كردستان.
والأسباب كثيرة ومنها تقصير أجهزة الإعلام العربية والكردية في هذا المجال. وأقول
هنا أن الإعلام الكردي لا يلعب الدور المناط به إذ لا يضع الملف الكردي والقضية
الكردية على طاولة المواطن العربي وبناء الجسور بين الشعبين وجعل الطرف العربي
يتقبل قضية ساخنة وحيوية كالقضية الكردية. وكذلك بسبب بقاء المشاكل العالقة بدون
حل في العالم العربي فالقضية المركزية-قضية فلسطين-تحجب الضوء عن غيرها من قضايا
المنطقة بما فيها قضية الشعب الكردي الصديق.
شهد إقليم كردستان العراق
تغييراً مماثلاً فيما يخص موضوعة العلاقات العربية الكردية. شهدنا سابقاً كيف كانت
علاقة الشيوعيين واليساريين بالقوى الكردية متينة وقوية وذات نضال ومصير مشترك. لكن،
في المرحلة الحالية بسبب الظروف السياسية في السنوات القليلة الماضية وبسبب تضاءل
دور الديمقراطيين في العراق ودور الحركة الليبرالية في العراق وتصاعد دور القوى
الإيديولوجية السياسية الطائفية بأغلبها التي تحيا حالة طلاق مع القضايا القومية
بعامةً-أدى إلى توجه إهتمام الكرد إلى خارج إطار العلاقات العربية الكردية، وذلك
بالتوجه نحو "الكردايتي". وهناك الآن عشرات الملايين من الكرد يعيشون في
الشتات، ولهم عشرات القنوات الفضائية ومئات المواقع الإلكترونية ويوجد بينهم لغة
مشتركة وخطاب موحد. مما سبب الابتعاد عن مسألة العلاقات بين الشعبين العربي
والكردي. وإذا ما عدنا إلى إقليم كردستان نستطيع القول أن النمو الاقتصادي الذي
يشهده الإقليم ونمو الحركة والتجربة السياسية في الإقليم ليست لها أي علاقة جملة وتفصيلا
مع نمو الحركة السياسية في العراق. رغم وجود الكثير من العناصر المشتركة و لكن لم
تعد هناك علاقة بين النمو السياسي ونمط التفكير السياسي الكردي مع النمط السياسي
العراقي. مع ان الأكراد مشاركين أساسيين في تحالف سياسي مع قوى سياسية عراقية إنما
كل هذه القوى السياسية لا تمتلك إرثاً تاريخياً في تفهم الملف الكردي. يكفي هنا
النظر إلى رأي ونظرة القوى الشيعية السياسية الإسلامية من موضوعة حق تقرير المصير
للشعب الكردي وموقف الإسلاميين في سورية لا يختلف كثيراً. وأيضا رؤية القوى
الشيعية والسنية في العراق من مسألة الديمقراطية وعلاقتها بالتنمية واللامركزية والفيدرالية.
بمعنى أن هناك تناقض كبير وخطير الشأن. فمن جهة هناك تحالف كردي واضح مع قوى
سياسية حاسمة في العراق وفي نفس الوقت هناك مستوى متدني للتفاعل النمطي السياسي
بين الجانبين العربي والكردي. هذا التناقض يجب أن يُحل. لأن المصالح بين الجانبين
غير متوازنة وغير منسجمة وغير متسقة.
الخلل الثاني القوى
السياسية الكردية تقول انها مجبرة للتحالف مع هذه القوى نظراً للظروف السياسية والتغييرات
الكبيرة الحاصلة على الصعيدين الدولي والاقليمي المحلي. لذا فان
"المزاج"الكردي طور تقنيات للممارسة السياسية لا تؤدي إلى تعزيز
العلاقات العربية الكردية المنشود. إضافة إلى
خيارات القيادة الكردية السياسية ومنها مثلاً قول القيادة السياسية الكردية
أنها الطرف الوحيد القريب من الولايات المتحدة الأمريكية. وهذا يخالف طرح العالم
العربي أجمع. وبما أن العلاقة بين قوة عظمى كالولايات المتحدة والمجموعات الإقليمية
غير محلولة وغير محسومة فأنها لن تكون بلا ثمن! ولن يتحقق الإستقلال للكرد عن طريق
أمريكا وفي نهاية المطاف سنشهد المزيد من حالات الفوضى واللاستقرار.
على المستوى الإجتماعي،
ليس هناك أي وعي حقيقي في إقليم كردستان للمخاطر الناجمة عن هذا الأمر. ونشهد بشكل
يومي قطع أوصال التعليم العربي في الجامعات الكردية. وقطع أوصال الثقافة العربية
في الصحافة الكردية. وهذا يعني سد النوافذ التي تسمح بفهم طريقة تفكير الجانب
العربي، ورأيه بالقضايا الحساسة التي تهم الطرفين كالفيدرالية والديمقراطية وغيرها.
وهذا الأمر ليس في مصلحة الشعب الكردي تماما كما أنه ليس في مصلحة الشعب العربي
أيضاً. والآن حيث نشهد هجوما تركيا على اقليم كردستان لا تقع أعيننا على صحيفة
كردية واحدة تبتعد عن "الشعارات" إذا جاز القول وتقوم بتقديم تحليل
موضوعي واقعي للأزمة وجذورها وطريقة حلها. ووضع النقاط على الحروف فمن-مثلاً-أعطى
صوته في الإنتخابات الأخيرة إلى حزب العدالة والتنمية بزعامة السيد رجب طيب أردوغان؟
هذا يشير بشكل أو بأخر إلى أن النخب السياسية والفكرية الكردية لم تبلور حتى الآن
برنامجاً يناسب مصالح وتطلعات الشعب الكردي، ولا رؤية تحليلية لفكر وإبداعات
المفكرين الكرد العظام داخل كردستان وخارجها نحو فهم المتغيرات العالمية. ويتم
إتخاذ القرارات دون الرجوع إلى أهمية ودور العلاقات العربية الكردية في القضايا
الحساسة والمصيرية. والقوى العراقية المتحالفة مع الكرد ستسعى بكل قوة إلى إفراغ
المكتسبات الكردية كالمادة 140 والفيدرالية والقوانين التقدمية الموجودة في
الإقليم والدستورمن معناها، وتصوروا أن قوة سياسية عراقية تقول مؤخرا وتصرح بأن
أكبر خطر يتهدد العراق هو وجود نظام ديمقراطي، وهو صاحب 32 عضو في البرلمان
العراقي! ولم ينبس أي عضو برلماني ببنت شفة! وإذا كانت هناك قوى سياسية في العراق
تعتبر الديمقراطية خطراً فما سيكون موقفها من الفيدرالية؟!
أقول أن الخلل الموجود ليس
خارجياً فحسب بل أن الخلل فينا نحن أنفسنا. ولا يمكن أن يمر مرور الكرام بل يجب
التصدي له ومواجهته. أكثر المخاطر أن العلاقة بين العرب والكرد باتت علاقة
إفتراضية وليست حسية. فهي موجودة نظرياً فقط وليست لها أي وجود على أرض الواقع. وهذا
يعني إذا استمر الحال على ما هو عليه تربية جيل كامل على القطيعة والشقاق بين
الشعبين العربي والكردي.
وفي النهاية أعتبر هذه
الندوة مناسبة ممتازة لإثارة الأسئلة ومهمة لدق ناقوس الخطر. فالبعض من الزملاء
أشار إلى أن الديمقراطية هي السبيل الأوحد لبناء وتطوير العلاقة بين الطرفين. فهل
نحن متفقون على هذا؟ وهناك من يقول أن التحالفات الديمقراطية في العراق هي الوسيلة
الوحيدة لضمانة سيادة وتقدم الشعب الكردي هل هذا صحيح؟ ربما! لكن أستطيع القول أن
بالنسبة لنا كعرب لا يمكن على الإطلاق ضمان نجاح التجربة الديمقراطية إلا إذا كان
شريكنا الأكراد وشكراً لكم!
-------------------
*نص المداخلة التي ألقاها إسماعيل زاير-رئيس تحرير صحيفة الصباح
الجديد- في ندوة " العلاقات العربية الكردية حاضراً ومستقبلاً" التي أقامتها
رابطة كاوا للثقافة الكردية بتاريخ 29/2/ 2008