|
التيار الديموقراطي
في العراق والعلاقات العربية الكردية
"الحزب الوطني الديمقراطي
نموذجاً"
د.شيرزاد النجار*
كما
يبدو واضحاً من العنوان، سأحاول تسليط الضوء على مسألة العلاقات
العربية الكردية من خلال الرجوع إلى التاريخ وما يفكر به أحد الأحزاب العريقة في العراق ( ونعني به الحزب الوطني الديمقراطي ) حول العلاقات
العربية الكردية وذلك لاجل أخذ العبر من
دروس التاريخ وتتبع تاريخ وتطور فكر ونهج هذا الحزب المستمر إلى الآن
لنعلم هل يمكن إتخاذ الحزب الوطني
الديمقراطي كنموذج لبناء العلاقات بين العرب والكرد
في العراق.
بداية
الموضوع يرجع إلى منتصف القرن الماضي وبالذات الى
عام 1946 حيث أجاز الحكم الملكي تأسيس أحزاب سياسية حيث تأسست 5 أحزاب
من ضمنها الحزب الوطني الديمقراطي. كان أساس هذا الحزب هو( جماعة
الأهالي) التي تأسست في عام 1932 وهي عبارة عن تجمع ثقافي فكري ذو
تطلعات نحو تشكيل دولة حديثة في العراق وتؤمن بالإشتراكية
وتطبيق الديمقراطية والمساواة بين المواطنين واجراء
إصلاحات جذرية في المجتمع العراقي ولذلك اسست(
جمعية الإصلاح الشعبي) وأطلقت مشروعها الجماهيري ( مشروع الفلس
الواحد) وغيرها من الفعاليات التي كلها تدل على أنه كان هناك نخبة من
المثقفين والمفكرين العراقيين الذين حاولوا أن ينظموا أعمال أو
فعاليات في اطار الدولة الحديثة من ضمنها
تحديد أو تنظيم العلاقة بين مكونيين
أساسيين للشعب العراقي وهما العرب والكرد.
من أبرز هؤلاء كامل الجادرجي، حسين
جميل، محمد حبيب، عبدالفتاح إبراهيم،
ومن الكرد
علي حيدر سليمان، حسن الطالباني
وغيرهم من المثقفين ذو سمعة جيدة وذو توجهات عصرية تنسجم مع تطلعات
نحو بناء الدولة الحديثة. إذن فان هذا الحزب إهتم
بالعلاقات العربية الكردية وبالقضية الكردية. أقتبس هنا بعض المقاطع
من منهاج الحزب الذي كان أول حزب سياسي علني أولَى الحقوق القومية
الكردية إهتماماً ملحوظاً كان يُعد متقدماً
حينذاك فقد نص منهاجه على:
"ان الحزب لا يفرّق بين العراقيين ولا يميز بين
بعضهم البعض، ويعتبرهم جميعاً على أختلاف
عناصرهم وأديانهم ومذاهبهم متساوين في الحقوق والواجبات. إن الوطن
العراقي ميدان للتعاون الحر على أساس المصلحة المشتركة بين العرب والكرد وغيرهم من العناصر التي يتكون منها
العراقيون".
هذه الفكرة- الوطن
العراقي ميدان للتعاون الحر- هي فكرة تدل على بناء أرضية للعمل
المشترك للتفكير بالمصلحة العامة المشتركة ضمن الدولة العراقية آنذاك.
نظرة
الحزب الوطني الديمقراطي كانت في الحقيقة نظرة متقدمة ونظرة تؤكد على
عدم إهمال مكون أساسي من مكونات الشعب العراقي. وعليه كان من الطبيعي ان يكون لاقطاب الحزب
الوطني الديمقراطي علاقة جيدة مع الكرد، مع
سياسييهم ومثقفيهم وبالاخص مع الزعيم
الكردي محمود الحفيد.
رفعت
الجادرجي المهندس الشهير وابن كامل الجادرجي يذكر في كتابه "صورة أب" أن
الحكومة عندما فرضت الإقامة الجبرية على الشيخ محمود الحفيد ببغداد،
أخذ هو ووالده يتزاوران و ذات يوم شاهدت الشيخ محمود (الحفيد) يتقدم
إلى دارنا وهو يسير في ممر الحديقة في طريقه إلى جناح أبي فإذا
بالوالد يخرج من غرفته لإستقباله. إن مجرد
خروجه من الغرفة لإستقباله لفت إنتباهي لأن ذلك غير معتاد من قبله، ولكن الذي
أثار عجبي هو أن والدي والشيخ محمود أخذ كل منهما الآخر بالأحضان
وتبادلوا القبلات وذلك لأن والدي لا يقبل أحداً ولم أره في السابق
يفعل ذلك مع أي واحد آخر. وبعد مرور مدة تكرر هذا المشهد.
عندما
أصبح حسين جميل وزيراً للعدل في وزارة علي جودت الأيوبي سنة 1949-1950
إعترض على إصدار حكم الإعدام على الشيخ أحمدالبارزاني ورفاقه وعلى مكوثهم في غرف الإعدام
طيلة مدة من عام 1946-1950، وتمكن من إخراجهم منها وإستبدال قرار الحكم الصادر بحقهم.
لم
يهتم الحزب الوطني الديمقراطي بالعلاقة بين العرب والكرد
على الصعيد النظري فقط بل حاول تطبيق هذا الشيء. وعندما حلت حكومة
نوري السعيد الأحزاب السياسية عام 1954حاول الحزب الوطني الديمقراطي بالإتفاق مع حزب الإستقلال
المحلول أيضاً تأسيس حزب جديد بإسم حزب
المؤتمر الوطني. وذلك في سنة 1956 م وقد جاء
في منهاج هذا الحزب الجديد أيضاً نص مهم نقتطف منه:
"يعتبر
الحزب [المؤتمر الوطني] العراق ميداناً للتعاون الحر بين العرب والكرد وغيرهم من العناصر التي يتكون منها العراق
والتمتع بكافة الحقوق القومية ضمن أحكام الدستور العراقي والوحدة
العراقية".
الا ان هذا الطلب رفض من قبل وزير الداخلية آنذاك
سعيد قزاز، لأن فيه تفرقة بين العناصرالمكونة للشعب العراقي. وقد إعترض مقدموا طلب
تأسيس الحزب على ذلك الرفض لدى مجلس الوزراء ولكن لم يفلحوا في الحصول
على إجازة التأسيس بحجة أن القوانين العراقية تعترف بالقومية الكردية
واللغة الكردية وهناك برامج في الإذاعة باللغة الكردية.
وفي
مرحلة جبهة الإتحاد الوطني التي تأسست بصورة سرية في عام 1957 من خمسة
أحزاب ضمنها الحزب الوطني الديمقراطي حيث كانت لها اهداف منها إسقاط الوزارة وغيرها ولكن دون إلاهتمام بموضوعة العلاقات العربية الكردية.
مع
اندلاع ثورة 14 تموز 1958 كان لاحزاب
الجبهة دور مؤثر فيها وشاركت في اول وزارة
للثورة التي ترأسها الزعيم عبدالكريم قاسم.
وعند وضع الدستور العراقي المؤقت لسنة 1958 كان هناك تأثيراً واضحاً
لمفكري الحزب الوطني الديمقراطي في صياغته وبالذات في المادة الثالثة
منه حيث تم الإعتراف بالعرب والكرد كشركاء في الوطن. هذه المادة لم تأت كنتاج
لأفكار الضباط الأحرار وإنما أتت نتاج لأفكار زعماء الحزب الوطني
الديمقراطي وبالذات حسين جميل الذي وضع الدستور خلال يومين(25-26)
تموز عام 1958 وفي 27 تموز صدر الدستور بعد إقراره في مجلس الوزراء.
الحكومة
الثورية لعبد الكريم قاسم أصدر قانون
للأحزاب سمى بقانون الجمعيات وذلك عام 1960. بموجب هذا القانون تم
تقديم عدة طلبات لتأسيس عدة أحزاب ومن هذه
الطلبات طلب الحزب الوطني الديموقراطي حيث
تم إجازته.
وقد
جاء في منهاج هذا الحزب مايأتي:
"إن
هذا الحزب تبنى مسألة الإهتمام بالعلاقة ما
بين العرب والكرد على أساس من التعاون من
التضامن فيما بينهم "
إلا أن الإشارة لم تكن واضحة ودقيقة، لذلك
اعتبر أن هناك نوع من التراجع في منهاج الحزب الوطني الديمقراطي
مقارنةً مع منهاجه الذي صدر عام 1946. ويفسر البعض هذا الأمر لكون أن
الحزب تأسس وزعيمه كامل الجادرجي كان
غائباً عن العراق في تلك الفترة وان الذي قدم الطلب كان هو المرحوم محمدحديد. لذلك فأن عدم وجود رئيس الحزب على رأس
مقدمي الطلب كان من الأسباب التي أدت إلى هذا الشيء من التراجع. بعد
ذلك نلاحظ أن موقف الحزب الوطني الديمقراطي للعلاقات العربية الكردية
وخصوصاً بعد إندلاع ثورة 11 أيلول 1961 كان
موقفا مهماًوتأريخيا حيث أن المرحوم عبد
الكريم قاسم كان يؤكد على عدم وجود مشكلة كردية في العراق، كان يقول
أن هناك مشاكل تتعلق بالعصيان. كان يرد عليه كامل الجادرجي:لا.
هناك قضية كردية قائمة بالفعل. وكان كامل الجادرجي
رئيس الحزب يؤكد أن هذه القضية يجب أن تحل من أجل حل المسألة الكردية
وبناء العلاقة الجديدة بين العرب والكرد.
في مايس 1962 قدّم كامل الجادرجي من100 مفكر عربي مذكرة إلى المرحوم عبد
الكريم قاسم طالبه بالدخول في مفاوضات سلمية مع قيادة الحركة الكردية
وإيجاد حل عادل للقضية الكردية. في حزيران 1964 قدّم كامل الجادرجي كرئيس الحزب الوطني الديمقراطي مذكرة
إلى رئيس الجمهورية عبد السلام عارف إنتقد
فيها المطاطية الواردة في بنود الدستور المؤقت الذي صدر في عام 1964
حول حقوق الكرد، حيث ذكرعارف
أن الدستور يعترف بالحقوق القومية ورد عليه
كامل الجادرجي بالعبارة التالية: ماهي هذه الحقوق؟ أي أنه كان يلح على وجوب تحديد هذه الحقوق بشيء من الوضوح والدقة.
محمد
حديد أحد قادة الحزب في خطاب له في حفل تأبين المرحوم كامل الجادرجي الذي توفي في شباط 1968 أكّد على أن:
"الجادرجي كان يؤكد بشكل خاص على الإعتراف بالحقوق القومية لإخواننا الأكراد في
العراق من أجل دوام الصفاء ووحدة المصير والمصالح المشتركة بين
القوميتين العربية والكردية. وكان الحزب
الوطني الديمقراطي أول من وضع نصا ًفي هذا الصدد في منهج الحزب".
وفي
كلمة ألقاها المرحوم صالح اليوسفي بإسم
الزعيم مصطفى البارزاني في نفس حفل تأبين
المرحوم الجادرجي قال:
"
إن فقدان كامل الجادرجي هو ليس فقدان صديق
مخلص فحسب إنما خسارة فادحة حلّت بالبلاد كلها. لقد كان الجادرجي وسيبقى رمزاً للوطنية الخالصة الخالية
من المساومة والمهادنة، فقد ناضل دائماً، وبلا هوادة من أجل تحقيق
الديمقراطية في العراق وكان بعيداً كل البعد عن المفاهيم العنصرية
ونزعات الإستعلاء القومي، فعلينا أن نتذكر
دعوته إلى التآخي بين العرب والأكراد ودعوته إلى حل المشكلة الكردية
عن طريق المفاوضات".
هذا
مجمل مواقف الإستاذ الجادرجي
وبالتالي الحزب الوطني الديمقراطي وبالتالي التيار الديمقراطي
الليبرالي في العراق الذي كان له دور مهم في الحركة الوطنية العراقية
ولكن يظهر أن هذا التيار قد بدأ يفقد فعاليته في العراق اليوم ولذلك
نلاحظ أن الأخ د.عبد الحسين شعبان قد أصدر كتاباً عن المرحوم حسين
جميل وتسائل فيه: هل انقطعت الليبرالية
الديمقراطية في العراق أم لا؟.
في الوقت الحاضر ماذا
نلاحظ من التغييرات في موقف الحزب الوطني الديمقراطي من العلاقات
العربية الكردية؟
بعد
سقوط النظام في 9/4/2003 عادَ الحزب الوطني الديمقراطي إلى نشاطه
وبرئاسة الأستاذ نصير الجادرجي وعلى الرغم
من أنه طرأ شيء من الإنشقاق على صفوف هذا
الحزب إلا أنه قد طوّر منهجه وفكره وذلك بالتأييد التام للفيدرالية في
العراق في الوقت الحاضر. وقبل فترة صدر بيان
عن الحزب الشيوعي العراقي والحزب الوطني الديمقراطي والحركة
الاشتراكية العربية يدعوا إلى تطبيق الديمقراطية والنهج الديمقراطي في
العراق ويدعوا إلى الفيدرالية في العراق كحل أمثل للقضية الكردية.
هذا ملخص ما حاولت أن
أنقله إليكم في إطار الموقف الفكري والتطبيقي للحزب الوطني الديمقراطي
في العراق وشكراً.
----------------
*نص
المداخلة التي ألقاها د.شيرزاد النجار في
ندوة "العلاقات العربية الكردية حاضراً ومستقبلاَ"
التي أقامتها رابطة كاوا
للثقافة الكردية في أربيل في 29/2/2008.
|