|
التجربةالعراقية في العلاقات العربية
الكردية :
رؤية نقدية
د.مهدي
جابر مهدي*
يُكتسب مثل هذه اللقاءات
والحوارات أهمية خاصة لا سيما في التجربة العراقية التي إخترتها
نموذجاً، وسأتوقف هنا عند ثلاث نقاط أساسية وخاتمة بإيجاز:المحور
الأول: الرصيد التاريخي في العلاقة بين الشعبين العربي والكردي في
العراق. والثاني: مستويات العلاقة. والثالث:
تجربة عراق ما بعد صدام حسين(المرحلة الراهنة).
الرصيد
التاريخي في العلاقة بين الشعبين العربي
والكردي في العراق:
لابد
أن أشير في المحور الأول إلى أن هناك في العراق–ويحق لنا نحن العراقيين
أن نفتخر به-علاقة مختلفة متميزة بين العرب و الكرد عن بقية الأجزاء
التي قسُّم فيها الشعب الكردي. وهذا ليس رأيي فقط وإنما يشاركني فيه
عدد من القادة الكرد عندما يقولون أن علاقة العرب بالكرد في العراق
تختلف عن علاقة الكرد بالترك والفرس وغيرهم من الأقوام الأخرى. وهذا
الأمر ليس بغرابة عندما نعود إلى التاريخ أو إلى عناصر هذا الرصيد
التي تشكلت بفعل نضالات وتضحيات طويلة، اشتركت بها بدرجة رئيسة
الأحزاب والقوى السياسية الديمقراطية العراقية والكردستانية، عندما
أقّرت هذه الأحزاب الكرد كشعب بالمعنى القانوني والسياسي للكلمة. تجلى
هذا الرصيد في أعمال ونشاطات
ومواقف ونضالات تمتد منذ تاريخ تأسيس الدولة العراقية الحديثة
في عام 1921 وما حملته عام 1921 من إشكاليات حتى فترة إسقاط النظام في
عام 2003. لقد تجلى هذا الرصيد كما ذكرنا في
معارك ومواقف مشتركة على الأرض مثلما تجلى في مواقف وبرامج سياسية.
والتيار الديمقراطي في العراق يفخر بأن له مواقف متميزة في هذا الإطار
سواء الحزب الوطني الديمقراطي أو الحزب
الشيوعي العراقي. فعلى سبيل المثال طرح الحزب الشيوعي العراقي منذ
العام 1956 وثيقة أو برنامج في الكونفرانس الثاني للحزب. سأقرأ هنا
نصاً منه يقول:"إن حل مشكلة القوميات في العراق تنطلق من الطريق
الصائب على أساس الإعتراف المتبادل بحق تقرير المصير وبمشروعية طموح
الشعبين العربي والكردي إلى التحرر والوحدة القومية". وعشية ثورة
تموز 1958، في عام 1957 بالتحديد عندما عُقدت جبهة الاتحاد الوطني التي
لم يشترك فيها الحزب الديمقراطي الكردستاني، عقد الحزبان الشيوعي
العراقي والديمقراطي الكردستاني إتفاقية ثنائية للتنسيق والتعاون
لتهيئة القاعدة الإجتماعية لقيام وإنتصار ثورة 14 تموز. في العاشر من
نوفمبر /تشرين الثاني 1958 وقّع الحزبان الشيوعي والديمقراطي
الكردستاني ميثاق سمي بإسم"ميثاق الجبهة الوطنية في
كردستان" نصّ على مجموعة من القضايا من بينها: تحقيق أقصى التآخي
والتضامن بين العرب والكرد. وفي ضوء هذا الإتفاق تم تأليف لجان فرعية
للتضامن بمشاركة قوميات أخرى وخاصة التركمان. وأتذكر الكثير من الشعارات
التي طرحت منها السلم في كردستان والتآخي العربي الكردي وما إلى ذلك.
كما أنني لا استطيع أن أحصر بصورة وافية خلال هذه المُداخلة القصيرة
كل ما لديّ. ولكنني أقول أن هذا الرصيد بالغ الأهمية وكانت كردستان
وجبالها الموقع الذي إحتضن ليس فقط المناضلين الكرد ضد الدكتاتورية
وإنما المناضلين العرب أيضاً الذين عملوا كبيشمركة إلى جانب إخوانهم
الكرد وقدمّوا التضحيات والشهداء.كما اشتركت القوى السياسية الكردية
والكردستانية في جميع فعاليات ونشاطات ومؤتمرات المعارضة قبل إسقاط
النظام العراقي. يحق لي في هذه النقطة أن أقول إن هذا الرصيد هو
إيجابي ولا أقصد أنه يخلو من الثغرات أو النواقص أو نقاط الضعف ولكن
الجانب الإيجابي هو الأكثر إشراقاً وفاعليةً ويمتد حضوره إلى الآن.
مستويات
العلاقة:
بإختصار
أقول هناك ثلاثة مستويات للعلاقة. الأول على المستوى الحكومي أو النُخب الحاكمة. والثاني على مستوى الأحزاب
والمنظمات والإتحادات غير الحكومية والمستوى الثالث هو المستوى
الشعبي.
لا أريد أن أدخل في
تفاصيل كل واحدة من هذه المستويات الثلاث، ولكن أقول أنها تتداخل
وتتشابك مثلما هي تتمايز، ولكنها لم تأخذ طابعاً مستقراً في جميع
الأوقات بل تخضع للظروف والضغوط والأزمات السياسية على مستوى العراق
وعلى مستوى المنطقة. المستوى الشعبي هو الأكثر حضوراً ونجده لدى
المواطن العادي، وللأسف هذا المستوى الشعبي الإنساني جرت محاولات
لإفساده من قبل النُخب السياسية أو لإضعافه تحت تأثير ممارسات وأخطاء
وخاصةً النخب الحاكمة وعلى وجه التحديد والخصوصية ممارسات النظام
الدكتاتوري الذي حكم العراق ما يقارب أربعة عقود من الزمن.
هذه
المستويات الثلاث تشكل خلاصة للتجربة العراقية على مدى ما يزيد عن 80
عاماً ونستطيع القول رغم ما إعتراها من نواقص وثغرات هي الأخرى أثبّتت
أن إستقرار العراق يتوقف على مستوى التوازن في هذه المستويات الثلاث.
عراق
ما بعد صدام حسين:
مرت
خمسة سنوات أو أقل على سقوط النظام العراقي .وفي
هذه السنوات هناك جانبين أساسيين: الجانب الأول أعتبره إيجابي والثاني
سلبي. الإيجابيات أول عناصرها هو الإقرار الرسمي بحقوق الشعب الكردي
وهذا بدوره لا ينعزل عن الرصيد الذي ذكرته في النقطتين الأولى
والثانية ويتذكر البعض من باحثي القانون أن دستور العراق في 1958 هو
أول من نصّ على الشراكة بين العرب والكرد في العراق. اليوم تمّ الإقرار الرسمي بهذا الأمر في الدستور
العراقي الدائم الذي تم الاستفتاء عليه في عام 2005، وأصبح نافذاً.
كذلك من الإيجابيات هو المشاركة الكردية في صناعة القرار ليس فقط في
إقليم كردستان وإنما على مستوى العراق وهذا جانب مهم لم يتحول مجرد
شكلياً كما كان الحال في المرات السابقة، بل أصبح أمراً واقعاً وتعبير
وإقرار عن مكونات الشعب العراقي. في هذا
الصدد أقول أن العراق كما هو معروف بلد متعدد القوميات وهناك(150) بلد
في العالم متعدد القوميات. والمشكلة ليست في تعدد هذه القوميات بل في
إدارة هذا التعدد والتنوع وعالم اليوم عالم الإنفتاح والعولمة التي
أدت إلى انفتاح العالم على بعضه في مجال الأفكار والبشر والسلع
والميديا ولم تعد الجدران قائمة وهذه العولمة سهّلت التفاعل وأدّت إلى
التنوع في حياة الشعوب واليوم أصبح من المبادىء الأساسية التي تحدث
عنها سريعاً د.عبد الحسين شعبان هو إحترام هذا التعدد أو التنوع
وكفالة أو ضمانة حقوق هذا التعدد والتنوع.
أما السلبيات التي
واجهت هذه التجربة:أولها هي تراكم السلبيات التي تمتد منذ العام 1921
حتى العام 2003 و لا يمكن معالجتها في أربع أو خمس سنوات، بل تحتاج
إلى جهد طويل وصبور ومثمر تشترك فيه كل الأطراف. وأنا دائماً مع إخوتي
الكرد أقول أن لديكم قضية تقوم على مبدأ الحق ولكن هذا المبدأ لوحده
ليس كافياً وإنما يحتاج إلى جهد لكي يترجم هذا الحق ويصبح أمراً
واقعاً، وكثير من الشعوب والأمم اليوم هي مظلومة وتمتلك الحق في تحقيق
مصالحها وطموحاتها، ولكن الحق وحده غير كاف ثم أن الإقرار بهذا الحق
غير كاف رغم أهميته يبقى الأمر الآخر ألا وهو تطبيق هذا الأمر.
السلبية
الثانية هي الممارسات السلبية الحالية من مختلف الأطراف بما فيها
الجانب الكردي . و أقول لإخواننا
الكرد : أنتم لستم بحاجة إلى المدح وإلى من يقول لكم بأنكم شعب
وتحتاجون للإقرار بحقوقكم. هذه السلبيات نجمت عن مسألة فقدان الثقة
التي حاولت الأنظمة السياسية ترسيخها في
مختلف المراحل والعقود.تمت عملية تقوم على أساس الفعل ورد الفعل.
والركام الكبير من الجرائم التي ارتكبت بحق الكرد لا يمكن أن تمحى
بمجرد نص في مادة دستورية. هذا غير كاف. وإنني
متأكد أن المواطن الكردي حتى اليوم رغم ما تحقق من منجزات ليست
بالقليلة ومكاسب هامة يشعر بالقلق. فهو يعيش تنازع هويّات وليس تكامل
هويّات. ليس أمراً غريباً أن تكون هويّته كردية وهويتّه عراقية ومسلم،
لكن في بلدنا هناك تنازع بين هذه الهويّات وشهدنا من خلال التجارب
التي مرت منذ عام 2003 وحتى الآن، التقادم في الأولويات لهذه الهويات
فالكردي مثلاً يشعر بهويته الكردية فوق هويته العراقية لأن العراق لم
يضمن بعد طموحاته وشعوره بالإنتماء ومصالحه كمواطن وهذه تحتاج إلى
المزيد من الجهد والعمل والمزيد من الثقة والقناعة لكي يتحول شعور
المواطن بأنه منتمي إلى هذا البلد.
أستطيع
القول بأن هناك حلقة ضعيفة في هذه المسألة، أي مسألة الشعور
بالإنتماء. وهذا ليس خاصاً بالكرد. وكما ذكر سابقاً أن الطائفية
السياسية هي واحدة من أكبر المشكلات، عندماوزّعت العراقيين على ولاءات
تقليدية متصارعة ومتناقضة وإنكفأ المواطن في ظل غياب الدولة الحديثة أو
الدولة القانونية إلى هذه الولاءات لأنها أفضل وسائل الحماية وإن كانت
بالنتيجة هي تضّر بالمصالح.
لذا
أقول أن العلاقات العربية الكردية على المستوى الشعبي هي دون الطموح
ولم ترتق إلى مستوى التحديات التي تواجه الشعبين العربي والكردي وهو
يخوض تجربة جديدة تجربة إنتقال من نظام دكتاتوري لم تنته بعد جميع
آثاره إلى نظام جديد ثبتّه الدستور الديمقراطي الإتحادي لم تتبلور
ملامحه بعد وها نحن شهود عيان على التحديات والتعقيدات والصعوبات
الإجتماعية والإقتصادية والسياسية. وهذه الصعوبات تغذّي الإنكفاء
وأحياناً حتى تغذّي الكراهية لأن المواطن العادي يأخذ المثل البسيط
ولا يبحث مثل المثقفين في أبعاد الظاهرة وتجلياتها وإحتمالاتها
المستقبلية. هويتعامل مع اللحظة والواقع الراهن الذي يحدث أمامه.
خاتمة:
لقد
دلت التجربة أن الحل الصحيح للقضية الكردية مرتبط بالديمقراطية في
التجربة العراقية، ونجاح العملية السياسية في ظل عراق ديمقراطي
فيدرالي هو نجاح للتآخي العربي الكردي. وفي هذا الصدد، نحتاج إلى
إشاعة ثقافة التآخي والحوار عبر عقد المزيد من المؤتمرات واللقاءات.
وهي عقدت كما تعلمون وأربيل كانت حاضنة بدعوة من السيد مسعود بارزاني
رئيس إقليم كردستان ولكننا شهدنا في السنتين الأخيرتين لا إستمرارية
لهذا الأمر.
كذلك
نحتاج إلى تشكيل لجان للتآخي العربي الكردي في جميع محافظات
العراق-رغم وجود بعض النشاطات- منها جمعية الصداقة العربية الكردية
التي تُصدر مجلة بإسم مجلة" الصداقة" تصدر في بغداد بشكل
شهري. لكنها بإعتقادي ليست كافية ونحتاج إلى المزيد منها.
وعن دور المثقفين أقول
إنني أفصل بين النخب السياسية والنخب الثقافية رغم الترابط والأهمية
بينهما. أرى على المثقف العراقي صوته ضعيف أو منكفأ على ذاته أو يأتي
بالدرجة الثانية بعد السياسي بسبب الصراعات الصاخبة، عليه أن يلعب
دوراً أكبر وأن يكون صوته أعلى من أجل قضية الديمقراطية في العراق
ومنها قضية التآخي العربي الكردي الذي هو ضمانة للإستقرار.
كل هذه المقترحات
والتصورات لا يمكن أن تتحقق إلاَّ في ظل دولة مؤسسات فاعلة ونشطة،
ودونها يصبح الحديث عن حقوق القوميات والتآخي مجرد شعار دون جدوى. المؤسّسات الإعلامية ووسائل الإعلام تستطيع بدورها
أن تنمي هذه الثقافة بعدما شهدنا من ثقافة الإقصاء والإلغاء في الماضي
أو ثقافة العنف في الوقت الحاضر. ثقافة التسامح ينبغي أن تلعب دوراً
متزايداً وأخيراً أن الرصيد التاريخي والمقومات الراهنة في العلاقات
العربية الكردية تمتلك مقومات أساسية في النجاح هي أكبر بكثير من
العناصر السلبية أو الخاطئة، لذلك ينبغي أن نكسب المزيد من الأصدقاء
لحركة التآخي العربي-الكردي ضماناً لإستقرار العراق وتطوّره وتقدمه.
*نص المُداخلة التي ألقاها د.مهدي جابر مهدي في
ندوة "العلاقات العربية الكردية حاضراً ومستقبلاً" التي
أقامتها رابطة كاوا للثقافة الكردية في أربيل يوم 29-2-2008.
|