|
العلاقات العربية الكردية
حاضراً و مستقبلاً
عبد الغني علي يحيى*
قبل كل شيء، حين أتحدث عن العلاقات
العربية الكردية أوّد عدم الإنطلاق من
القواسم المشتركة كالدين والتاريخ المشترك والقرابة والجوار وما إلى
ذلك والتي أعجز ما تكون عن تحديد العلاقات سلباً أو إيجاباً. إنما
أسعى إلى معرفة هذه العلاقات من خلال الأحداث التاريخية المعاصرةالتي مّر بها
العراق بعد الإحتلال البريطاني له أثناء
الحرب العالمية الأولى.
العلاقات العربية الكردية لم تكن موضوع بحث قبل إستقلال
العراق عام 1921، إنما تحدثت أوساط عن هذه العلاقات أو أرّخت لها بعد
عام 1921، عام إستقلال العراق. الخطأ الذي إرتكبه البريطانيون وليس في العراق وحسب بل في
كافة الأقطار التي إحتلوها وكذلك الخطأ
نفسه إرتكبه الفرنسيون في سورية وبلدان
أخرى وهو:عندما كانوا يمنحون الإستقلال إلى
وطنٍ ما أو شعب ما لم يكن يدور في بالهم أن في هذا الوطن أقوام أخرى
وأن هذا الوطن عبارة عن عدة أوطان. في منحهم إستقلال
العراق عام 1921 فأن البريطانيون سلمّوا السلطة إلى العرب السنة تحديداًَوذلك لأسباب عديدة تاريخية لا مجال
لذكرها الآن. فالعرب السنة كانوا يحكمون
العراق بتفويض من العثمانيين إن جاز القول أي أن الإدارة التي شكلها
العثمانيون بقيت بعد مغادرة العثمانيين للعراق. هنا استطيع أن أقول أن
البريطانيين يتحملون السبب في عدم تعامل العرب والأكراد مع بعضهم
البعض تعامل الند للند لأنهم منحوا السلطة كما قلت أو السيادة أوالإستقلال إلى مكون إجتماعي(السنة
العرب) دون مكونات إجتماعية أخرى كالكرد وكذلك الشيعة. صحيح أن الشيعة يلتقون مع
العرب السنة في القومية ولكن لاننسى أن
ولاءهم للمذهب أقوى من ولاءهم للقومية. وهنا
فأن أي اضطهاد يسلط على أي شعب بسبب من قوميته أو دينه أو لونه فهو
اضطهاد مرفوض. الذي نلاحظه أن معظم المثقفين يؤيدون الحركات القومية
أو الإستقلال القومي وحتى كذلك الثورات
الطبقية التي مر بها العالم لعقود من
السنين. لكنهم عندما يتحدثون عن حركة ما وراءها أسباب دينية أوطائفية فأنهم يسحبون تأييدهم لها مسبقاً.
هنا، عندما سلمت الحكومة البريطانية السيادة والإستقلال
للعرب السنة دون غيرهم من مكونات الشعب العراقي فأن الحكام العراقيين
منذ العهد الملكي وإنتهاءً بنظام حزب البعث
في التاسع من نيسان 2003 قاموا بإختراق
الحدود الإجتماعية للشعب الكردي في
كردستان. وعندما قامت بإختراق هذه الحدود الإجتماعية لأنه لم تكن للكرد
حدود سياسية، بدأت المشاحنات والتناحرات
بين هاتين القوميتين أو بين ممثليهما. ولو على نطاق ضيق في العهد
الملكي بيد ان التناحر اشتد بسبب من
التعريب المنظم في العهود الجمهورية والتي بدأت من مناطق سنجار وإنتهاءً بمناطق خانقين ومندلي.
في البداية كانت
الحملات بسيطة وليست واسعة ومعقدة بالشكل الذي رأيناه
في ظل نظام حزب البعث الذي أُسقط في 9 نيسان2003. كانت عمليات التعريب
ضيقة جداً بسبب عدم نضوج الحركة الكردية القومية آنذاك. لذا فأن إختراق الحدود الإجتماعية
للكرد ألحق ضرراً بليغاً بالعلاقات العربية
الكردية التي كانت تقوم في الماضي على أساس إلتقاء
القوميتين في الدين بدرجة رئيسة. هنا، فأن الولاء للرابطة الدينية أو الإنتماءالديني تراجع إلى حدٍ ما وحل محله الولاء
للقومية، ولما كان الحكام العراقيون يمارسون سياسة تعصبية شوفينية ضد أبناء الشعب الكردي فإن العلاقات بدأت
تسوء.
لقد إزدهرت هذه العلاقات في فترات ضيقة جداً. أذكر
منها بعد وصول عبد الكريم قاسم في إنقلابه
يوم 14 تموز 1958 م إزدهرت نتيجة إنفتاحه على الشعب الكردي وعلى الحقوق القومية
الكردية وعلى الحقوق الديمقراطية وعلى الحزب الشيوعي العراقي ذو
النزعة الأممية التي قربت بين الكرد والعرب
ازدهرت العلاقات العربية الكردية على صعيد الشارع بدرجة رئيسة ففي تلك
المرحلة وإلى حد ما فيما بعد كثرت القصائد المتبادلة بين الشعراء الكرد والعرب والتي كانت تتغنى بالعرب والكرد وكذلك الكتابات التي تمجد هذه العلاقات
بين الشعبين كما تمجد نضالهم المشترك في السابق. ولكن هذه العلاقات
بدأت تسوء عندما ارتد الدكتاتور عبد الكريم قاسم على الحقوق القومية
والديمقراطية للشعب الكردي ولعموم العراقيين حينما بدأ بمطاردة الحزب
الشيوعي العراقي وكذلك فيما بعد بمطاردة الشعب الكردي. حيث أنه شن الحرب على الشعب الكردي في أيلول عام
1961 ومنذ ذلك الحين فأن العلاقات العربية الكردية شهدت العد
التنازلي. في 1970 إزدهرت من جديد بعد إعتراف حكومة البعث بالحكم الذاتي لكردستان
العراق وبحقوق كثيرة أخرى لا يستهان بها. إلا أن تلك الحكومة أيضاً وكعادتها بعد مضي
سنوات أخذت تتراجع عن وعودها وعهودها وأفرغت الحكم الذاتي من محتواه
وليس هذا فحسب إنما لجأت إلى ممارسة الإرهاب والدكتاتورية ضد الشعب
ولقد بلغ إرهاب ذلك النظام مستوى الفاشية ضد الشعب الكردي، الأمر الذي
جعل من العلاقات العربية الكردية تتراجع بشكل بارز وملحوظ. لدرجة صار
الحديث عن التآخي العربي-الكردي محل سخرية واستهزاء.
دون شك أن العلاقات
العربية الكردية إزدهرت بشكل طفيف بعد
إسقاط النظام العراقي في 9 نيسان عام 2003 عندما إجتمعت
القوى الديمقراطية والقومية والمذهبية وإعترفت
هذه القوى بالدستور الدائم الذي أقر من قبل أكثرية الشعب العراقي
وبالفيدرالية وكذلك بتطبيق المادة 140 إلا أن هذه الحكومة كالحكومتين
السابقتين الرئيستين في التعامل مع القضية الكردية وأقصد بهما حكومة الزعيم عبد الكريم قاسم وكذلك حكومة
البعث. إن هذه الحكومة المتنفذة في العراق
الآن خصوصاً راحت وبكل الوسائل تسعى إلى الارتداد عن المواقف التي
أعلنتها سواء في تصريحات مسؤوليها أو في
الدستور المؤقت وكذلك نراها تتماطل وتتهرب
من تطبيق المادة 140.
العلاقات العربية
الكردية في العراق ساءت أصلاً في مناطق التماس للأسف بين المكونين الإجتماعيين الرئيسين العربي والكردي. ففي عام
1970-1974 كانت نقطة الخلاف هي كركوك بدرجة رئيسية ولما لم تتوصل
القيادتان الكردية والعراقية إلى إتفاق
بخصوص كركوك التي تقع داخل كردستان بالقرب من منطقة التماس بين
المكونين الإجتماعيين العربي والكردي فإن
القتال كما تعلمون إندلع بين الحكومة
العراقية والقيادة الكردية.والآن نجد أن بؤرة التوترفي
هذه العلاقات تكمن في مناطق التماس أيضاً. في الموصل مثلاً يتم تهجير الكرد وحتى المسيحيين أيضاً بالقوة والعنف. ويتم
ضرب اليزيديين بكل قوة فقبل فترة وقبل حدوث
أحداث سنجار أصدر تنظيم القاعدة في الموصل-دولة العراق
الإسلامية-بياناً ينص على أن اليزيديين الكفرة عبدة
الشيطان سوف تُسال دماؤهم على أيدينا كالأنهار، وبعد هذا البيان
مباشرةً حصل ما حصل في منطقة تل عزيز وسيبا
شيخ خدري في سنجار حيث قتل المئات منهم.
دون شك إن هذه
الحكومات لم تكن ضد الشعب الكردي فقط وإنما ضد المكونات الأخرى من غير
العرب والمسلمين كاليزيديين والمسيحيين
والصائبة المندائيين. بل
لقد كانت ضد الأكثرية العربية في العراق ألا وهم أتباع المذهب الشيعي.
هذه الحكومة إنعزلت عن الشعب بسبب معاداتها
لأغلبية المواطنين من عرب وكرد وطوائف دينية غير مسلمة وغيرسنية.
بالتأكيد،
يتطلع الجميع إلى تحسين العلاقات بين العرب والكرد
ولاشك إذا أخذنا بتجربة الإتحاد الأوربي نجد أن الشعوب المجاورة بعضها
البعض والتي تتماثل في الثقافات والتوجهات تنشد الوحدة والتضامن بينها
ولقد نجح الإتحاد الأوربي في جمع شمل العديد من القوميات والمذاهب
الدينية التي كانت إلى الأمس القريب مذاهب وقوميات متطرفة. ربما
فاقت في تطرفها القوميات الشرق أوسطية أو القوميات في قارة أسيا
وافريقيا إذا أخذنا بعين الإعتبارالحربين العالميتين الأولى والثانية
المدمرتين اللتان انطلقتا من أوربا. بلا شك أن الوطن الذي يمتد من زاخو إلى الفاو هو أفضل من وطن ممزق ومقسم.
والإتحاد الأوربي الحالي أفضل من بريطانيا وفرنسا وايطاليا وألمانيا
الضيقة ولكن الوحدة الأوربية كما تعلمون قامت على أسُس ديمقراطية
وتكافؤ ولهذا فإن الشعوب الأوروبية توحدت وطورت الإتحاد الأوروبي وهي
ماضية في ترسيخ وتقوية إتحادها ومن المتوقع أن تزال في المستقبل
الحدود الحالية التي لم تبقى عملياً بين تلك الدول. حتى الحدود
السياسية التي نراها فوق الخرائط ستُمحى.
ولكن في العراق إذا ظلت السلطة الحالية على تعنتها ضد المطاليب المشروعة للشعب الكردي وقامت بعقد صفقات
أو إجتماعات مشبوهة مع هذا الطرف الإقليمي
أو ذاك، يقيناً إن الوحدة العراقية سوف لن تبقى وستنهار ولست متشائماً
من إنهيارهذه الوحدة. المهم هو سعادة
الإنسان العراقي سواء كانت تلك السعادة ضمن إطار دولة موحدة أو في
دولة مستقلة وكما تعلمون فإن الإنفصال أو إستقلال الأمم عن بعضها ليس بدعة وليس سابقة
خطيرة في العلاقات بين الأمم. لقد رأينا كيف إنقسم
الإتحاد السوفييتي السابق إلى مجموعة دول مستقلة وكذلك الأمر بالنسبة
لتشيكوسلوفاكيا ويوغسلافيا الاتحادية السابقة، لكن أقول أن الوحدة
أفضل دائماً: وحدة الشعوب أفضل من انفصالها. ولكن إن لم يتم الإعتراف بحقوق الشعوب المغلوبةعلى
أمرها-كالشعب الكردي-فإن الوحدة العراقية والوحدة التركية والوحدة
الإيرانية جميعاً معرضةَ للفناء والزوال. لاوحدة
بين شعوب غير متكافئة ،بين شعب له دولة وبين شعب ليست له دولة كالشعب
الكردي، يجب أن تكون للكرد دولة بعدها تطرح
عليه فكرة الوحدة والعلاقات المتكافئة.
*نص محاضرة السيد عبد الغني علي يحيى في
الندوة التي أقامتها رابطة كاوا للثقافة
الكردية بعنوان"العلاقات العربية الكردية حاضراً و
مستقبلاً"بتاريخ 29-2-2008
|