محاضرة السيدة سونغول جابوك*

29/7/2008

"العلاقات التركمانية-الكردية إلى أين؟"

بداية اشكر السادة الذين قاموا على تهيئة هذا اللقاء وأتمنى أن تستمر اللقاءات أكثر في المستقبل كما أتمنى حضورا أكبر من قبل إخواننا التركمان والكرد وموضوعنا الأساسي اليوم هو موضوعة العلاقات التركمانية-الكردية بإيجاز وبلمحة مختصرة.

باعتباري مثلت شريحة مهمة من شرائح المجتمع العراقي والقومية الثالثة بعد العرب والكرد في العراق وكان مجلس الحكم الذي كنت عضوة فيه هو أساسا أول حكومة تأسست في العراق بعد نظام الحكم السابق.

أود بادئ ذي بدء أن ألقي الضوء على تاريخ التركمان والكرد في العراق. لا شك أن التركمان شعب عريق كما هو عليه حال الشعب الكردي وأيضا بالنسبة لوجودهم وجغرافيتهم في خارطة العراق كانت ملازمة لإخوانهم الأكراد في شمال العرق كالأقوام الأخرى التي سكنت هناك. اعتقد أن الكثير من الأقوام جاؤوا من الصين وسكنوا في العراق. الأقوام كلها سابقا كانت تترحل من مكان إلى  آخر حتى تستقر في مكان آمن تسكنه. التركمان حين هاجروا وأتوا إلى العراق أصبحوا من السكان الأصلاء وهم ينتمون إلى العراق حتى بعد زوال الدولة العثمانية نلاحظ أن التركمان خيروا بين أن يغادروا العراق ويسكنوا في تركيا ويكونوا مع الأتراك لكن التركمان الموجودين في العراق رفضوا أن يكونوا جزء من تركيا لأنهم من سكان العراق الأصليين.

بالنسبة إلى جغرافية التركمان والأكراد نلاحظ أنهم متشابهين ومختلطين ومدنهم وقراهم كلها مرتبطة ومتشابكة من تلعفر إلى سعدية وخانقين على الحدود الإيرانية في الشرق نلاحظ أنهم متماسين في خط مترابط وأيضا المناطق التي يتواجد فيها الأكراد يتواجد فيها التركمان أيضا. وبكلمة أخرى فأن تاريخ التركمان وإخوتهم الكرد مشترك وجغرافيتهم كذلك مشتركة، حتى أن هناك الكثير من التشابه بين عاداتهم وتقاليدهم وحتى في لغتهم التي تختلف عن اللغة العربية. هناك صفات وسمات كثيرة مشتركة بين هاتين القوميتين المتأصلتين والأساسيتين الموجودتين في العراق.

لا ننكر أن أغلبية الشعب العراقي تتكون من الشعب العربي وكان النظام السابق يصر على أن العراق بلد عربي فقط بدون أن يذكر القوميات الأخرى كالتركمان والكرد وأيضا فعلت ذلك بعض الأنظمة العربية الأخرى في سورية مثلا حيث نظام الحكم الواحد الشمولي. بعد تعزيز الديمقراطية في كل أنحاء العالم وتحقيق الديمقراطية في العراق، بدأ الشعب العراقي يتحرر ويطالب بحقوقه.

فيما يخص إخوتنا الكرد، كانوا سباقين في هذا المضمار ونضالهم يعود إلى زمن سقوط الدولة العثمانية لتحقيق وجودهم وحقوقهم، وفي العراق وبعد سقوط الحكم الملكي ونتيجة لنضال الأكراد المتواصل ثبت في دستور العراق وجود العرب والكرد كقوميتين أساسيتين في العراق دون تحقيق الأكراد لحقوقهم كاملة. أما التركمان فقد كانوا مهمشين بصورة كاملة ولم يذكرهم الدستور بعد عام 1958 كما ذكر الكرد. بعد ذلك، حاول الكرد في العراق أن يعطوا للتركمان حقوقهم لاسيما بعد بيان 11 آذار عام 1970 حاول الكرد منح الحقوق الثقافية للتركمان وأن تكون حقوقهم مصانة وبدأ أبناء التركمان بتدريس أبناءهم  باللغة التركمانية وحدث هذا في السبعينيات وأتذكر كنت حينها طفلة صغيرة حين بدأت المدارس التركمانية تفتح في مدينة كركوك واربيل وبدأت الدراسة باللغة التركمانية لكن النظام السابق لم يكن جديا لمنح حقوق القوميات الأخرى رغم انه قدم نفسه في البداية على انه نظام ديمقراطي وقام بفتح مدارس خاصة للكلدو آشوريين ولكن مع تقدم الزمن ظهر النظام على حقيقته وقام بعملية تعريب مدينة كركوك بالدرجة الأولى وذلك لأهميتها ولكثرة القوميات المتواجدة فيها. وكركوك مدينة تاريخية معروفة وغنية بالثروة النفطية فحاول النظام جاهدا تعريبها وإبعاد القوميتين المتواجدتين فيها بشكل أساسي وهي القومية الكردية والتركمانية، عن طريق تهجير الكرد عن كركوك وتعريب التركمان والآشوريين والسريان الموجودين في كركوك حيث ادعى النظام انه لايوجد في كركوك سوى قومية وحيدة و هي القومية العربية.

عمل النظام السابق على خرق حقوق الإنسان العراقي في كركوك وكل العراق دون أن يدرك أن الشعب العراقي أصبح واعيا لهذه الحقوق التي بدأت ترى النور في العالم اجمع لا سيما بعد قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بهذا الشأن. ورغم أن النظام السابق منح الأكراد حكما ذاتيا لكنه كان ناقصا ومرتبطا بالحكومة المركزية ولكن بعد أحداث 1991 استقلت منطقة كردستان وأصبح لها حكمها المستقل والخاص بها ووضعت خطوط تحظر على النظام السابق تجاوزها بالنسبة إلى منطقة كردستان.

وحينها في منطقة كردستان بدأ التركمان يؤسسون لهم أحزابا سياسية بسبب تمتعهم بالحرية في ظل حكم الأكراد على العكس من المناطق التي كانت تحت سيطرة النظام السابق. حيث أعطى الأكراد لإخوتهم التركمان الحرية للعمل والتواجد على الساحة ولم ينكروا حقوق التركمان رغم حدوث بعض العثرات والأحداث كما في عام 1996 وقتل بعض قادة الأحزاب التركمانية واعتقد أنها كانت مؤامرة.

لا يوجد خلافات أساسية بين القوميتين الكردية والتركمانية وإذا رجعنا إلى الوراء قليلا وبالتحديد إلى مجزرة عام 1959 فاعتقد أن هذه المجزرة بحق التركمان حدثت بفعل تآمر الشيوعيين ولم يكن للكرد دور يذكر فيها رغم أن بعض التركمان ما زالوا يشيرون بأصابع الاتهام إلى الكرد لكنها كانت مؤامرة من قبل الشيوعيين. ولم يكن هناك خلافات بينهم حتى بعد سقوط النظام السابق عام 2003 وكان من المفترض أن يبدأ التركمان مرحلة جديدة وأن يكونون أكثر تعايشا وتآخيا مع إخوتهم الكرد وبالفعل حين دخلت قوات البيشمركة إلى كركوك رحبت بها الكثير من العائلات التركمانية كمحررين إلى جانب قوات التحالف. بعد سقوط النظام بسبب عدم وجود إدارة منتظمة وعدم وجود مراقبة على الحدود أصبحت الكثير من الأطراف التي لا تتمنى الخير للعراق تتهافت إلى العراق وتحوله إلى بؤرة للإرهاب وتقوم تلك الأطراف و القوى الخارجية بإثارة النعرات والعداوات الطائفية والتقاتل بين السنة والشيعة والنزاعات القومية بين الكرد والتركمان حيث يوجد تدخل كبير من قبل أطراف خارجية لتسميم العلاقة بين الكرد والتركمان وخاصة في مدينة كركوك.

توجد في كركوك نسبة سكانية متشابهة للكرد والتركمان رغم تمركز التركمان في مركز المدينة و الكرد في حدود المحافظة ككل و أقضيتها،  كذلك يوجد نسبة ليست بالقليلة من إخوتنا الكلدو آشوريين المتواجدين في منطقة قلعة كركوك التي بنوها بأنفسهم. هناك إحصائيات مثبتة بخصوص نسبة السكان في مدينة كركوك وخاصة إحصاء سنة 1957 حيث تذكر فيها أن نسبة التركمان 43% والكرد 42% و15% للعرب والمسيحيين الأكثر عددا من العرب لكن النظام السابق وعن طريق القيام بعملية التعريب والتغيير الديمغرافي وتهجير الكرد استطاع أن يحدث خللا في توازن هذه المدينة حيث تم تهجير الكرد والتركمان إلى محافظات العراق الأخرى وتم توطين العرب الوافدين الذين جلبهم النظام السابق وقام بتسكينهم في كركوك ومنحهم الكثير من الامتيازات والدعم. فمثلا التوظيف كان يحق لهم فقط دون غيرهم وكان النظام السابق يمنحهم مبالغ نقدية كبيرة للوافدين مما يحدث تأثيرا سيئا وسلبيا على بقية قوميات المدينة وبخاصة الكرد والتركمان المحرومين من ابسط حقوقهم هناك. فكل الخلافات بين القوميتين الكردية والتركمانية مصطنعة وليست أساسية.

هناك روابط عائلية وتزاوج بين أفراد القوميتين منذ القدم والروابط الاجتماعية قوية جدا بينهم. ولا يمكن الفصل بين القوميتين نتيجة ذلك. فهناك تمازج وتعايش مشترك بين القوميتين في كركوك ولكن وأقولها بأسف شديد هناك تدخلات وأياد وجهات وأطراف خارجية تمنع تطور هذه العلاقات الطيبة ومع تقديرنا للأحزاب السياسية فأن لها دور أساسي في تأزيم العلاقة بين أبناء القوميتين وما حدث أمس في كركوك دليل واضح على التدخلات الخارجية التي استنكرتها الكثير من العائلات التركمانية ونددت بالعمل الانتحاري الذي أودى بحياة الكثير من الأبرياء الذين كانوا يعبرون عن مشاعرهم بشكل سلمي وحضاري.

ويجب فض الخلافات إذا وجدت عن طريق الحوار والجلوس إلى طاولة الحوار فلماذا لا تأتي أحزاب الجبهة التركمانية مثلا للجلوس والتناقش مع إخوتهم الكرد في كردستان بغرض حل المشاكل العالقة بين الطرفين. وقد قمنا من جانبنا منذ مدة بعيدة بتطوير العلاقات التركمانية-الكردية وتطويرها لما فيه خير ومصلحة الشعبين وفتح قنوات الحوار بين كافة المؤسسات التركمانية والكردية وحوار مع حكومة إقليم كردستان والأحزاب الكردية وكذلك الشخصيات الكردية وكانت هناك مجموعة من التركمان حضروا قبل شهر تقريبا وجرى ندوة حوارية أقامها اتحاد برلمان كردستان حيث كانت ذا دور مؤثر وصدى في كركوك لكن هؤلاء الذين استبشروا خيرا في كردستان هم اليوم ينتظرون ماذا سيكون دور كردستان في تطوير هذه العلاقات وفتح باب الحوار مع إخوانهم التركمان.

*سونغول جابوك: شخصية سياسية واجتماعية تركمانية عضو مجلس الحكم السابق عن التركمان.