البعد الجغرافي لنشوء و تطور الفكر القومي الكردي
- كردستان العراق نموذجا-
البروفيسور الدكتور خليل اسماعيل محمد
استاذ الدراسات السكانية بجامعة صلاح الدين
اربيل-2008
المقدمة
افرزت احداث انتفاضة اذار 1991، نقلة نوعية في مسيرة حركة التحرر القومي في كردستان العراق، لاسيما بعد ان اتخذ مجلس الامن الدولي، ولأول مرة، اقامة منطقة آمنة للسكان في العام المذكور، الامر الذي نجم عنه:
1-انتقال القضية القومية الكردية من المستوى المحلي الى المستوى الدولي.
2- انسحاب الادارات المدنية و العسكرية من جزء كبير من المنطقة الكردية.
3- الاعلان عن قيام حكومة وطنية كردية على تلك المساحة من الوطن القومي الكردي، في ظل انبثاق البرلمان الكردستاني المنتخب سنة 1992 .
و في تطور لاحق، كان الأول من نوعه، بعد انهيار النظام البائد في العراق سنة 2003 م، تمثل بالاعتراف الرسمي و الدستوري بالادارة الكردية في اقليم كردستان العراق ضمن الدولة الفدرالية الجديدة..و تم تثبيت ذلك في دستور سنة 2005 م . مثلما اصبحت السلطات الاقليمية، تشارك فعليا في بناء العراق الجديد.
ان هذه الاحداث، و ما تولد عنها من متغيرات على السلطات التشريعية و التنفيذية و القضائية في العراق، عكست ابعادها على مسيرة القضية الكردية من خلال الرؤى الجديدة و تفاعلها مع الثوابت القومية لدى حركة التحرر القومي، و ما افرزته من مواقف سياسية و اقتصادية و اجتماعية...كان لها اثرها و لا يزال في بلورة الفكر القومي في كردستان العراق.
ان المرحلة التالية لانتفاضة سنة 1991، تعد متميزة في تاريخ الشعب الكردي الامر الذي يستدعي الوقوف عندها كثيرا...و تحليل متغيراتها و العوامل التي تتفاعل في تحديد اتجاهاتها المستقبلية. و لا شك ان حاضر و مستقبل القضية الكردية في العراق، لا يمكن تحديدها، بمعزل عن القواعد التي قامت عليها، و الأسس التي ساهمت بنشوئها و تطورها.
ان هذه الدراسة تناولت الابعاد الجغرافية، ذات العلاقة بنشوء و تطور الفكر القومي لدى الشعب الكردي، و ما مثلته من تفاعلات على المتسوى المحلي و الاقليمي و الدولي، و انعكاساتها على حاضر و مستقبل حركة التحرر القومي في كردستان العراق.
تطور الظاهرة القومية
على اثر انتهاء الحرب العالمية الاولى سنة 1918، و في مؤتمر " فرساي" تحديدا، بذلت دول الحلفاء، جهودا حثيثة للوصول الى حدود" اثنية" مثالية للخريطة السياسية لدول الشرق الاوسط، تكون خالية من الجيوب و الامتدادات العرقية او الدينية..لكنها لم تنجح في ذلك، نظرا لتداخل المصالح الاقتصادية، و السياسية بين الدول ذات العلاقة، لذلك تشكلت اكثر تلك الدول، و هي تفتقر الى حدود "آمنة" و " مستقرة"، بحيث باتت تمثل مراكز توتر و تهديد للامن و الاستقرار في العالم.(1)
و على الرغم من كل التطورات العلمية، و اساليب التقنية التي شهدها العالم مؤخرا و اتساع شبكات النقل و الاتصالات، و تنامي او تكامل المصالح بين الدول، فان الحدود"الاثنوغرافية"، و التي تقوم على العرق او الدين او الثقافة... تبقى هي الاكثر اثارة في الصراعات الدولية، و تشكل الحيز الاكبر في مجمل مشكلات الامم المتحدة، في الوقت الحاضر.
و من الملاحظ، ان شعوب الشرق الاوسط، سعت و منذ وقت مبكر، الى تنظيم حملات احتجاج متواصلة، او عمليات تمرد، في مواجهة الدول الحاكمة. و شهد القرن الماضي تحرر العديد من تلك الشعوب التي كانت ترزح تحت سيطرة شعوب اكثر منها عددا، او اوسع نفوذا. و كان لانهيار امبراطوريات و دول مثل: العثمانية، البريطانية، و اليابانية، و من ثم الاتحاد السوفيتي و يوغسلافيا سببا في قيام العديد من الدول القومية او الدينية، مثلما ينتظر ذلك لشعوب اخرى لاحقا.
لقد شهدت الخريطة السياسية للعالم، تغيرات جوهرية، ليس في تزايد عدد الوحدات السياسية فحسب، بل و في ظهور تكتلات او تجمعات سياسية و اقتصادية اقليمية و دولية، ناهيك عن الاحلاف العسكرية. و معلوم في ان تزايد عدد الدول، انما يعكس الكثير من المتغيرات السياسية. لا سيما بعد الحرب العالمية الثانية، كما ان تحرر العديد من شعوب العالم، و انحسار ظل الاستعمار عنها، اوجد مراكز توتر و عدم استقرار في اكثر من موقع و مكان...الامر الذي وجدت تلك الشعوب نفسها ازاء العديد من المشكلات السياسية على الحدود، او الموارد، او سواهما...
و لعل في توزيع الشعب الكردي على الكيانات التي ظهرت بعد الحرب العالمية الاولى، أوضح مثال على ذلك. فالى جانب تقسيم كردستان بين كل من سورية، تركيا، و العراق، فضلا عن وجود جزء آخر تحت الحكم الايراني..فان الشعب الكردي بات يمثل اقليات تحت نفوذ شعوب اكبر منها عدداً في تلك الدول.