|
يعود وجود الشعب الكوردي في المناطق التي تواجد فيها تاريخياً، إلى عهود موغلة في القدم، وكان يعرف بأسماء عديدة، وكان الكورد يعون وجودهم جماعة طبيعية من البشر يرتبطون ببعضهم بوحدة الأرض والأصل والعادات واللغة، إلا إن الشعور القومي، وتوفر شروط الرابطة القومية لم تتبلور أو تظهر لديهم إلا في القرن التاسع عشر، وان بوادر الشعور بالهوية القومية والدعوة لها، بدأت بالظهور اولاً لدى الأدباء والشعراء، ثم انتشرت في بيئة الأمراء والمحيطين بهم، لاسباب تاريخية وسياسية ومعرفية. أما عامة الكورد فكانت واقعة تحت التأثير الديني، ومع هذا فقد تعاطفت مع الحركات الاستقلالية القومية أو المحلية التي قادها اولئك الأمراء، او شيوخ الدين المتنفذين، لأنها كانت تتحسس مشاكلهم.
وعلى الرغم من أن الكورد تمكنوا ومنذ مئات السنين الحفاظ على بلادهم وعلى لغتهم وتراثهم، إلا أن اسباباً تاريخية وحضارية أحاطت بهم وبوطنهم، حالت دون تأسيس كيان خاص بهم، أي انهم تمكنوا من ان يحافظوا على بقائهم شعباً، ولكن بلا دولة.
ويحاول هذا البحث ان يتتبع إرهاصات وملامح شعور الكورد بالهوية القومية، وتحول تلك الإرهاصات إلى ظهور المشاعر القومية، وسعى الكورد إلى إثبات هويتهم بتأسيس دولتهم، كما يوضح البحث أسباب تأخر ظهور الشعور القومي الكوردي، ببيان المعوقات ودور الدول التي هيمنت على كوردستان، أو تقاسمتها فيما بينها على ذلك، وحتى مطلع القرن العشرين.
المقصود بالشعور القومي في البحث، هو الإحساس بالانتماء إلى أمة معينة تتميز عن غيرها، وهو يختلف عن الوعي القومي الذي يعني معرفة المرء تاريخ امته ومسارها بشكل جيد وأن يتهيأ نفسياً وفكرياً لأن يصب ويسخر كل شيء من اجل قضية شعبه.
ليس من السهل ان نستقر على تاريخ معين، او نتخذ حدثاً تاريخياً محدداً كمرحلة بداية، أو حتى نقطة تحول في ظهور الشعور القومي الوطني الكوردي بالمعنى الحديث، ولكن إذا تصفحنا التاريخ نرى ان الشعور بالانتماء او الهاجس الكوردي كان موجوداً في كوردستان منذ القدم، اي ان الكورد كانوا يعون وجودهم القومي بمفهوم وصيغ الأزمان التي مروا بها؛ لأن الأرض التي عاشوا عليها كانت ارضاً كوردية، واللغة هي لغتهم الكوردية، وتأريخهم هو تاريخ الكورد، كذلك طبيعة القيم الاجتماعية والفلكلور الشعبي والبنى الفكرية وسايكولوجية هذا الإنسان كلها كانت كوردية، وهي موجودة قبل وجود القومية فلسفة تعتمد اركاناً أساسية، وهكذا فان جذور الإحساس بالانتماء القومي كانت ضاربة باعماقها في ذات الانسان الكوردي، بدليل ان هذا الشعب، ومنذ فجر التاريخ في وديانه وجباله وسهوله، قد صان عروقه القومية واحتفظ بلغته، واسس معظم كياناته على اساس قومي. لقد توصل العديد من الكتاب والمؤرخين، ومن خلال بحوثهم، الى حقيقة هامة مفادها: ان الكورد، وعلى خلاف امم عريقة انقرضت او تكاد، قد تجاوزوا كل محاولات الالغاء المختلفة. يقول المؤرخ الارمني سفرستيان بهذا الصدد (( انه في الوقت الحاضر لا يوجد قوم باسم الحيثيين، ولا العيلاميين، ولا السبئيين، ولكن يوجد قوم اسمهم الاكراد يعيشون في نفس المنطقة الجغرافية التي كان يعيش فيها اكراد مملكة الكوتيين قبل اربعة الاف عام)) ويرى الميجرسون: ان الكورد من بين شعوب غرب آسيا، وقد ثبتوا بازاء كل جيش وابقوا على نقاوة لغتهم (( وادعوا فخورين، بانهم الآريون الخلصاء المتمسكون بالتلال ومالكو اللسان )). ويذهب الى ما يشبه هذا الرأي، شاكر خصباك ، ومينورسكي ، وليرخ ، ودرايفر ويعزو الرحالة نيبور محافظة الكورد على لغتهم التي هي روح القومية، الى انهم كانوا دائماً يحكمون من قبل رؤوسائهم ، كما كان لانسحابات الكورد الطبيعية الى الجبال لحماية أنفسهم من الابادة، او الانصهار في ظل عهود اتسمت بالوحشية، وقامت على مبدأ التنازع من اجل البقاء وسيادة الاقوى واستمراريته اثر في بقاء الكورد ولغتهم القومية.
|