- تداعيات الأمكنة

 
الصفحة السابقة الصفحة التالية طباعة الصفحة

 

أن يتهيأ المرء للخروج إلى مكان غير مألوف، يشكل هاجساً تحيط به الأسئلة، وتصورات القلق التي يصعب سبرها، يبقي تفكيره مشغولاً بالمكان الذي  يستعد للانطلاقة منه، وهنا يكون النظر إلى المكان مغايراً: طبيعة مكونات وصور أشخاص بغض النظر عمَن يكونون، وتداخل وجوه، مختلفاً في مستدركاته.

كنا مجموعة، التقينا في كراج القامشلي، ذلك الذي يتكىء إلى مدخل حي العنترية من جهة الغرب حي (العنترية) الطريف باسمه، فهو حي كردي بامتياز بخصوص سكانه، ولارابطة البتة بين عنترة(العبسي)العربي هذا، الذي ينتمي إلى عصر الجاهلية العربية، ذلك الفارس المغواروالشاعرالمتماهي مع صليل سيفه، كما تقول حكايته الشعبية، والذين سكنوا الحي، إلا من ناحية رمزية، إنه استعارة مكانية، فهم عرفوه بقوته أو فروسيته وغبنه من قبل بني قومه بالذات، وربما كان للاسم المقتبس هذا ، علاقة غير مباشرة، بوضع الساكنين في الحي المذكور، والذين لا يعرفون في ما يخصه من جهة الاسم، إلا تلك الريح الهوجاء المباغتة التي تحمل اسمه في الصيف أحياناً( ريح عنترةbayê Enter ) دون أن يعرفوا التفاصيل، ولعل ذلك عائد، ربما، إلى مأزق عالق في ذاكرتهم، يوحدهم معه، في هم مشترك انسانياً كما أعتقد. الكراج لايبدو عليه مأخوذاً بالتناسب مع المكان، من جهة البولمانات التي ترتاده، أو تؤمه وتخرج منه، وهي مرتبطة بمكاتب مسجلة باسمهاغالباً، من الجهة الجنوبية، بينما من الجهة الشمالية، تتقاطر إليه، وعبرمدخل خاص بها الفوكسات التي تتحرك إلى عدة جهات في محافظة الحسكة( (Hisiça.

الكراج يتبدى منشطراً إلى قسمين، ولكن الحركة الدؤوب لسيارات الركاب الكبيرة التي أغرت الأهالي بمنظرها من ناحية جدتها بداية استقدامها، وكذلك الفوكسات بدورها، فقدت بعد حين ذلك الإغراء الذي يتلبس الجديد القادم إلى المحافظة، فالرونق يشكل خدعة مرافقة لماهو تقني، مثلما هو الكراج الذي أعطى فكرة للناظر إليه أنه بوسعه استقبال واستيعاب حركة الركاب: تدفقاً إلى الداخل، وانبثاقاً مضغوطاً عليه إلى الخارج، حيث لم يكن كذلك، فهو أصغر مما هي عليه متطلبات المدينة التي تشكلت بحسب الاحتياجات المكانية، ثم روعي طلبها على مضض، ولكن دون تمحيص، ثم انبسطت في المكان، متداعية ببيوتها ذات الطرزالمختلفة، لكن الأقرب إلى ماهو ميداني، إسعافي، وتجلت في امتدادها وانتشارها اللامنتظمين هندسياً في مشهد احتضاري، ملخصة بوضعها مصيرها الذي آلت إليه، غير مرغوب فيه، منبوذة باسمها، مثلما هي مرمية كما لو أن سلة مهملات، أو حاوية تضم سقط المتاع، وقد قذف بما فيها من عل، بسرعة لافتة، كما لوأن الذين ينتمون إليها في الأصل، وتعرف بأسمائهم، مطروحون في مناقصة أمكنة، وليس مزايدة، تعبيراً عن رثاثتها، وهي حديثة التكوين باسمها، مقارنة بمدن أخرى، تتجدد باسم الذين تعرف بهم.

هأنذا أتهيأ لركوب الحافلة الصغيرة( الفوكس)، تلك التي تستوعب دزينة من الركاب، إلى جانب آخرين، مدعوين، لحضور الملتقى الثقافي الكردي العربي، في مدينة هوليرالكردستانية، واسم النشاط، وهو اسم المدينة غير المأخوذ بهماإلا بوصفهما طارئين، ناتئين، ناشزين نشازالتاريخ المتحول القسري، في جغرافيا تنفتح على توجهات مضادة بدورهالماهو سائدفي المجمل، حيث لاالملتقى مفصح عنه بصورة رسمية من خلال طرفيه اللذين يبدوان متناظرين، يستشرف كل منهما عالم الآخروفق عقد إنسي جديد، إذ أننا في توجهنا شرقاً، وخارج الحدود المرسومة، وبشكل أكثر دقة، خارج المسارالمعلن عنه رسمياً، بعيداً عن الإملاءات المتداولة، شكلنا مجموعة غامرت بأسمائها وبالجهة التي ارتأتها مغامرة معرفة، ومغامرة بحث عن علاقات توسّع في معنى المكان وقاطنيه، وطبيعة الجهات الجغرافية، دون الاستعانة ببوصلة ذوي الشأن في المضمارذاك، ولااسم المدينة في صفتها الملحقة، مأخوذ به إلا باعتباره فرضاً"خارجياً" نوعاً ما وليس اعترافاً قيمياً، وقبولاً بتاريخ مشترك لامفر من تقاسمه، وتوزع أسهمه الحقبية في محيط جغرافية حافل بالترددات الصوتية للغات لها عراقتهاوسموها في باطن الأرض، كما تقول أركيولوجيا التلال المقروءة وتلك المطمورة، وتلك المحروسة، وتلك الجاري التكتم عليها، لأنها تشي بخلاف ماهو معلن عنه هناوهناك، ولهذا يحق للمقيم في المكان البليغ في تاريخه المدفون، أن يشهد دون تردد على وساعة التاريخ، بطبقاته الأرضين السبع، وسط جغرافيا تميط اللثام باضطراد عن مكنوناتها التي تثري تاريخ المنطقة، حيث لاتعود القامشلي/ قامشلي / قامشلو/ قامشليييه، حديثة العهد بتاريخ بالكاد يعترف به من بعض جهاته، وإنما سليلة مدن، نزيلة صمت تواريخ مترجمة بسرية تامة.

ويبدو الخروج من الكراج فعلاً رمزياً، يتخذ منحى مغايراً لكل الحالات السابقة، لكأن الجهة المقصودة، وحرفية الممكن قوله في ظلها، هي التي تلزم الذاكرة بهذا التكثيف في تداعي الصوروتسارعها الملحوظين.

لكأن الجهات تقاطرت على ذهني، وتشابكت، متحاورة، متناورة، مفصحة عن حساسية المكان بدورها، وبرزت في الإطار المذكور، حيث المدينة مولعّة بتركيباتها الاسمية، كون صياغة النهايات الملحقة بالاسم تجذّرتواريخ غير آمنة، مدينة تتهادى من فرط حساسية الاسم، الاسم السريع التقصف والانكسارواليباس والتفتت والانذرار، كما هوالمعنى المتعددبـ(القاميش : القصب Zil)، كما لو أنها مقحمة في التاريخ، ومنذورة لمكان غير ممضي عليه كتكوين مدني، تتراوح نازفةً أحياءها وأمداءها وأصداءها القريبة المدى والبعيدة الصدى، ما بين عراقة قامشلو: الاسم الذي يخشى جانبه، وشبه المحظور تداوله رسمياً طي الكتب الرسمية والصحافة الرسمية، والإعلام الرسمي، والمنابر الرسمية، كما أكدت وقائعها وفجائعها المعاشة حتى الآن، وقامشلي، التي تبدو  قي قيافتها النحتية مطلوبة، متداولة رسمياً، لتؤكد مفارقة الحرف الواحد حساسية اللفظ والتهجئة، وفانتازيا المكان اللامكان، لكأن الجمع القابض على أول الحروف الأبجدية وآخر الحروف الأبجدية(الألف- الياء) في (القامشلي) هو الجمع الغفيرضادياً، رغم أن الاسم في الأصل لاعلاقه له بالسياسة الأمنية والوقائية والردعية للضاد(الحرف الذي يلخص أبجدية كاملة باستعلاء يستحوذ على الاسم القادم من خارج تكوينه)، ورغم أنني استخدم الاسم هذا، كما هو العنوان، بعيداً عن وصاية التشكيل التوليفي والتحريفي للمعنى والمبنى، ولكأن المهجَى بين الحرف الأول الذي أحيل إلى دائرة الهجرة والجوازات الخاصة للتدقيق في مدى صلاحية الاسم، وهو (ق) بوصفه خرقاًللنظام الخاص بالمصوَت في الحرف الأول، خلاف الصارخ والمتحشرج علامة واقعته المعلنة في(ق)، والحرف الأخيرالذي يستبق حدث بناء الحروف وتتابعها، ويلغي النهاية المعقودة رسمياً، تلك النهاية الموغلة بدورها وفق اعتبارلم يحدد صراحةً فقهياً في المصوت، أي (ي: ياء)، رغم أن (و: واو) بدورها مشهود لها بالمد الصوتي، ولكن الفارق، كما يلاحظ، هوفي نهاية اسم قيّض له أن يسجَى ضادياً، وليس في نهاية اسم يزجى عبر علامة استغراب(ووووو) وبدا الجمع العارض وفق فضيلة الاستحواذ على الأسماء، حتى وهي أعجمية، إخلالاً بالمكان الموسوم رسمياً. وبين حرف مأخوذ بالتعجب هو الياء ، وآخرمأخوذ بالاستغراب هو الواو، تظهر المدينة المأخوذة بنهايتها(السفلى) بدورها، مقيمة بين الارتجال اللامعترف به والترحيل والارتحال في المعنى المقحم عليها، من باب تحوير المكان نفسه، وجعله هباء منثوراً دلالةً.

البنايات الطابقية جنوباً، وهي تلاصق المنطقة الصناعية، بنوع من التآلف غير المعهود، كما هو المكان المنقسم على نفسه، كما هي الفوضى التي تفضي إلى حقيقة صارخة تتعلق بالمدينة، التي خطّط لها ، كما يبدو، على عجل(رغم أن القابلة"الهندسية" في الأصل المولّد، لم تكن تنتمي إليها)، أو هكذا قيّض لها أن تكون ليس أكثر. فالمنطقة الصناعية اسم ابتكر مكاناً، في تاريخ مستحدث، تحقيقاً لعلاوات، لاعلاقة لها بهندسة المدن، وكيفية توزيع أصحاب المهن، وعلاقتها بالمدينة من ناحية الصحة والنظافة، وتجلت البيوت الطابقية، ذات واجهات منصوبة مفقوءة، وقد ابتلعت أهليها، حيث لاتوحي براحة مفترضة، كل ذلك تقافز إلى ذهني، وأناأستشعر وضعاً نفسياً مختلفاً، لكأن المكان في وضعي ذاك، كشف لي، عما لم أعهده فيه من قبل، ربما لأكون على بيّنة أكثر، والطرق المتقاطعة بدورها تداخلت مع التقسيمات الجغرافية: شروخاً في الغالب، وليست متجاوبة كطرق عصرية، تشكل لسان حال المدينة النابتة في الأطراف بشكل وحشي، وتبعث على النفور، لمجرد رؤيتها من لدن الداخل إليها.

وإذ تصبح المدينة خلفي، أستشعرها وقد لحقت بي بأطيافها المنكوبة، بصخبهاالمسبوك والمحبوك داخلاً، وهي تتنفس ككائن نصف خرافي، ونصف آدمي، كائن يستحق العطف والذم، بهيئتهاالمنزوعة التجانس، عبر أرصفة بليغة في حراجة موقفها، مماهي فيه، أرصفة تتبدى ألسنة ممتدة خارج أفواه لامرئية، تشير إلى عري المكان السابح في اللون الاسفلتي القابض على البصر والبصيرة، فلاأشجار، كما هي عادة المدن المدن التي تتكلل بزينة حضارة نسبية، رغم عراقة المكان بالماء والخضرة والوجه الحسن، لكأن الخضرة عارض تاريخي طارىء لدى أولي الأمر، منبوذة لدلالتها، وهاهو الماء يشهد احتضاره انطلاقاً من عارض مستحدث مرسوم، كما ينبىء المكان بذلك، ولم يبق سوى الوجه الحسن الذي بات عبئاً يثير شهية غيرالجديرين والمدركين بجماليات المكان.   الشعوربالمكان يتضاعف هنا. لعل ما نتوجه نحوه، يشغلني بدقة ورهبة الحوار، حوار الأشخاص المعنيين، وقد تمت تسميتهم، والأمكنة نفسها داخلة في الحوار، وربما، لهذا السبب، برزت القامشلي/ قامشلو، قامشلوكيه من سفليائها وليس من عليائها، أمكنة مختلفة، وفي مكان واحد، ودفعة واحدة، تسجل أسماءها/اسمها، لتساهم بمداخلاتها، وتسمعني أصواتها/ صوتها، هكذا تتقدمني المدينة، مستعرضة هواجسها، بينما السيارة التي فقدت أو أفقدت بدورها الكثيرمن فضائلها التقنية( كالتكييف)، مثل المدينة المحلقة في فراغ تاريخ مختزل ببراعة، غير مدون بدقة تماماً، تطوي الطريق، لتترك المدينة منطوية على نفسها في تداعيات هواجسها لصق جهات شتى.

وفي الوقت الذي كنت أعنى بالمحلقين معي في الحافلة، إلا أن تغيراً ملحوظاً تلمسته من الداخل كان يطرأ علي، إذ كانت عيناي تنفتحان على الطريق الممتد والمتعرج كماهو التاريخ المعرف به، كان يتجلى شريطاً رفيعاً دوامياً يتلوى  بفاحم لونه وقد تبقع بالرمادي بين مسافة وأخرى، وعلى جانبي الطريق، وأنا أتابع كل متكىء على الجهتين أو مغروس فيهماأو مرمي خللهما، من اللوحات الخاصة بالاعلانات وأعمدة الكهرباء المتلاصقة والمتدافعة والمتقافزة من وطأة السرعة، وأعمدة الهاتف الضامرة والمائلة، لكأنها تشكو المتردد في الأسلاك الواهنة، وتلك اللوحات المنصوبة وهي تحمل أسماء قرى مشفوعة بأسهم تتجه شرقاً وغرباً: صغيرة، يصعب على أي كان، التقاطها، وحتى اللوحات التي تخص مواقع أخرى(محطات حبوب، مزارع، دعايات ...الخ)، وهي تتزاحم في مجموعها، ولكنها في الوقت نفسه، تشكل مجموعة حوارات على غير ميعاد، لكأنها تضاعف كمية المعلومات لدي، وتعمقها، لترافقني إلى ماوراء الحدود أو الجهة غير المرغوب فيهاهنا وهناك بالتأكيد.

طريق حديث العهد بالمكان، ذاك الذي يتأفعى صوب مدينة منحت فضيلة الاسم التاريخي طي جغرافيا تندى بلغات متشابكة، أي (اليعربية)، لتكمل سلسلة الأسماء المنتقاة ، كما هي سلالة الأسماء الحدية الحدودية المقابلة والمجاورة لها: المالكية، الجوادية، القحطانية ومرادفاتها، وأخواتها المنتشرة في الجوار، وطرق شبه ترابية، تكفل حرية الحركة حتى في الشتاء، تصل مابين قرى لم تكن موجودة، حتى بالأمس القريب، وبيوت متناثرة تكاتف الطريق الرئيس والطرق المتفرعة عنه: محدبة السطوح، أو مقنفذتها، أو منكمشة، لكأنها تخشى مجهولاً ما، أوواطئة لصيقة بالأرض، طينية في الغالب، تشهق حضوراً في المكان بصعوبة، وسواها تتبدى خيلائية، وقد تهادت اسمنتية أومستوردة حداثة مدنية نسبياً، هكذا تتزاحم قرى في محيط النظر سريعاً: الصابرية، عمارات، عسيلة، الكريمة، تل بري، حاصودة، حامو، قبانية...الخ، تتفاوت قرباً من الطريق المذكور، أو بعداًعنه، حيث وفرة العطاء الأرضي، أضفت على القرى حيوية مضاعفة، وبدت في علم التاريخ، حتى وهي تتلفع هناوهناك بأشجارنادرة تعرَف بحداثة الذوق الحضاري، وقرى تتباعد عن بعضهابعضاَ، وهي تعيش حواراً تخاصمياً، حيث الطريق العام يفصل مابينها كحاجز طولي بارز، وأعني بهما: تل معروف وخزنة..

لكنها القرى في مجموعها الغالب، وهي تنتهب المكان والجهات، وقد استقرت داخل مساحات مرسومة، لم يكن عبثاً تموضعها هكذا، فتلك التي تحتفظ بسيرة نشأتها الجزراوية، وقد انتقلت من الخيمة المستندة على الأعمدة والأوتاد، إلى البيوت المنتهية بسقوف تجلوها أعمدة، وسطوح سنامية،أومقببة، أوأحياناً متساوية الأبعاد تناظراً من عل مع سقوفها للناظر من بعيد إليهاوقد تجسدت في بعد واحد، ولكن حين  تكون في مجال الرؤية الأفقية والخاطفة، وللخداع البصري دوره هنا، لاتفقد الذاكرة المكانية الحلباتية، عبرمواجهات، ومحاولات تبتغي السيطرة على المكان، تبدت في غزوات، لازالت ذاكرات المسنين تضخ الكثير من الأصوات والصور، كما الجمرتحت الرمادهنا وهناك، بالنسبة للكرد والعرب، ويشهد على ذلك التوزع الديموغرافي أو طريقة انتشار القرى في الجزيرة، في ترسيماتها الأرخبيلية والخلجانية والالتفافية بحسب المناطق، وقد ثبتت في مواقعها منذ أكثر من نصف قرن، بأسمائها وحكاياتها، وحتى بهوساتها ورموزها: شرقاً وغرباً، وشمالاً وجنوباً، رغم أن قرى كردية كثيرة لفضائلها المستباحة، تضاعفت أسماؤها، حيث تنوس بين أسماء كردية، طعّمت بالعربية، أوألحقت بها، تشير إليها رسمياً، عبر لوحات طرقية وغيرها،لإلغاء التفاوت بين اسم وآخرفي المعجم الضادي، كتبرير وتفسيرآخيرين ووحيدين لاثاني لهما لمن يريد استفساراً، وأسماء كردية تتجاوب مع حقيقتها المركبة: الجغرافية والتاريخية، ثقيلة الوطء والتهجئة لدى أصحاب الشأن، رغبة موجهة في تلغيم المكان، من قبل من لايدركون الجماليات الفذة لسكنى المكان هذا، وحتى بالنسبة للقادمين إلى القامشلي حتى عهد قريب، فإن الجهات المقابلة تفصح عن لغاتها ولهجاتها وانتماءاتها العشائرية: الكردية والعربية، ونسبة قليلة بالمقارنة مع البقية من السريان والآشوريين، وهي معاً مارست حواراً مع بعضها بعضاً، ومع المكان، بطريقتها الخاصة، وربما تعيش توثبها من الداخل لطارىء خفي لاحقاً.

لكأن الطريق المسمى والطويل الواصل بين القامشلي واليعربية، يشكل دفتر التفقد الحصيف بالنسبة للقرى التي تتقدم مجاورة إياه، لتثبت لعابر السبيل أوالراكب أو الناظرجدتهاوانفتاحها، في مكان تم اكتساحه واستثماره، وليشهد بعد حين، مدى تبرمه بما يجري، دون تفكير بالعواقب المترتبة.

كيف تداخلت الأسماء الخاصة بالأمكنة المسكونة، واللوائح القليلة العدد دعائياً، خلاف محيط المدينة الآخذة في التآكل، والتصورات التي لاتنفصل عن الأمكنة المرئية، والذين ينتمون إليها بأزيائهم وملامحهم ذات النسب اللصيق  بمواضعها، ومتضمنات اللوائح التي تسندها أعمدة حديدية وسواها؟ ذلك ما ينبىء عنه المشغول به، وأنا في رفقة آخرين عليهم قطع عدة مئات من الكيلومترات، وسط مخاوف لها مبرراتها الفعلية، ليحطوا الرحال بعد حين من الوقت، ولأن الموضوع، هو المستقطب لكل ما تقدم ولم يتأخر بحق، حيث أن وصولي السريع الذي لم أشعر به، بسبب انهمامي بسرد حكايات الأمكنة المختلفة، إلى النقطة الحدودية(ربيعة) العراقية، كان مفصحاً عن ذلك، ومفاجئاً لي بالمقابل، وهنا تختفي القرى وسيناريوهاتهاالمتشكلة كومضات خاطفة، وأناأبصرالقيمين على الحدود المعلومة.

 
الصفحة السابقة الصفحة التالية طباعة الصفحة