لتكن المقدمة إذاً!

 

 
الصفحة التالية طباعة الصفحة

 

(من القامشلي إلى هولير)، وأضعها هكذا بين قوسين، ثمة مسافة  تم قطعها، أو حصرها، أوالتشديد عليها،إنهما حدان مكانيان، ارتبطا بزمن محسوب، ومتابعة بصرية، وتأمل ذهني، وانطباعات، أوتصورات خاصة بي، حيث المكان والزمان ليسا مجردين هنا، ليسا هندسيين، بقدرما أنهما لصيقان بزمان ومكان أعمَين أعيشهما كغيرهما، ولكن لا أحياهما كسواي، إنهما المكان والزمان اللذان يحملان أثر الكتابة الشخصية.

مسافة قطعتها في زمن لايتجاوز أياماً معدودات (خمسة أيام في حدها الأقصى)، ولكنها الأيام الممدودات والمعقودات بالتساءلات، بالدلالات المرتبطة بمن رأيت، وبما رأيت. والمنطلق : مكان إقامتي(القامشلي ، قامشلو، قامشلوكي، قامشليه..الخ)، هذه المدينة المبعثرة في منخفض أرضي كقصيدة منثورة مرهقة، لم تكتمل يفاعةً، ولا اكتسبت شفاعة، بقدر ما آلمتها يبوسة الموقع، وقلق المسار، وهي لم تكن هكذا طفولة أوتكويناً، وبؤس طالع، وهي تستحق خلاف ما تجلببت به، ولهذا انفرطت عقداً فوسفورياً مطفئاً في نهايات عهدها بالتاريخ المعاصر، رغم حداثة تاريخها ولادةً وانتشاراً بأسمائها ولغاتها، والمكان المقصود للانتقال المؤقت إليه(هولير: أربيل، إربل) عروس من الجغرافية كردستانياً جهة الشمس، تلك التي شهدت تحول تواريخ، وصراع رجالاتها، وتداخل لغات عبرتها وامتلكتها أوقاتا ًمتفرقة، وحلول طغاة وبغاة فيها، أوابتلائها بهم(وطاغية العراق الأكبروباغيه المدحور، كان الأخيرحتى الآن).

هي ذي نقلة في المكان في أمد معلوم، تحرك فيها اللحم والدم والفكروالمتخيل والمعتقد بدوره، ولم أكن الوحيد الأوحد في عملية النقلة/ الانتقال تلك، كان معي آخرون، أو كنت معهم عرباً وكرداً، والمشدَ هو(الملتقى الثقافي الكردي العربي في اربيل مابين17-20/9-2004)، لكل منهم سريان هوى متمايز، وقد تحرك من نقطة مختلفة، ومن جهة مختلفة (قبلاً أو بعداً أو في الوقت المشابه نفسه)، لكن الانطباع مختلف، والتصورالمستقبلي مختلف، والرهان المتعدد الأوجه مختلف كذلك! لكن هذا لايمنع من التحرك باتجاه واحد، رغم تنوع الطرق، حيث الاتجاه متميز برحابة أفقه، والأفق المسمى لايعود واحداً في الوعي المسمي له.

ترى ماالذي أبتغيه مما تقدم؟ ماهذا الذي يمكن إثارته بين مدينتين: إحداثيتين جغرافيتين، تاريخيتين، لكل منهما موقعها، أصواتها، بشرها، سياقها التاريخي المختلف والمتفاوت قدما ًطبعاً؟ أي صوت قامشلوكي يمكن له أن يتردد بصداه على الطريق الممتد والمتعرج ، والمحفوف بالمخاطر، إلى هولير، وفي محيطها ووسطها؟ أي صورة يمكنها أن تتكون أوتتشكل في سياق التحرك وإثر الوصول إليهاوتجاوزها حيث الملتقى؟ ماهذا الذي يمكن الرجوع إليه والانطلاق منه، بين قاب قوسين أو أدنى (القامشلي وهولير)، بين (من: الانطلاق) و(إلى(الانتقال والوصول والإقامة لبعض الوقت)؟ هل يمكن البوح بكل ما يتوارد إلى الذهن من أفكار وانطباعات؟  يتوقف ذلك على مساحة الرؤية، على المدى المجدي للكلمة وهي تواجه الواقعة، وحين أقول هذا، لاأزعم أنني قادر على قول كل منتظرأو مأمول قوله، ولكن المسافة المقطوعة، بوسعها أن تتكفل بسرد الكثير مماهو ممكن قوله. حيث تتحول الكائنات بكل تفرعاتها، وانتماءاتها المكانية والقيمية إلى أدوات لي، ومسارد حكايات، وشخصيات تتجلى بصور شتى طي الورق الضوئي، لابل تغدو المسافة ذاتها الصفحة المفتوحة على آخرها، وعلى الجهات كافة، وقد استقطبت أنفاس كائناتها، وتستحيل الطريق ومشاهد اللوحات المنصوبة وأعمدة الكهرباء والهاتف وإشارات المروروالإعلانات والحجارة المتناثرة على الجهتين، وكذلك الأشجارالمبعثرة أو المنتظرة في فسحة معينة، أدلاَء تاريخ حي. والبيوت المتتالية أشبه بشخصيات ناطقة، وحتى السماء بازرقاقها المنحل، والفضاء اللامتناهي يشكلان علامات محرضة على الكتابة، إذ لاشيء يمكن تنحيته جانباً، كل شيء يمكن أن يبوح بمكنون معين.  لكن بالنسبة لي، تبدو الكتابة مغايرة، فأنا لاأكتب ذكريات على قارعة الطريق، ولا أدون حصيلة مشاهداتي، وكذلك لا أحيل المرئي إلى صورة كتابية فقط، فثمة نزعة حكواتية في المنحى المذكور، إنما أحاول الانتقال إلى ماهوأبعد مما تقدم، حيث كل مرئي هو عرضة للاستفهام والاستنطاق أو المساءلة، يشمل ذلك الأشخاص القريبين والبعيدين، مثلما أنا مباح ومسموح بتناولي وفق صياغات كتابية معينة، في حيّزثقافي سلوكي معين. إنني نزَاع إلى ملامسة الروح الخفاقة داخل المشاهد التي تترى أمامي، سعيي الدؤوب هوهذا الانهمام بماوراء صمت المادي، وقد تشخص  هنا وهناك، ولعل الأيام المعدودات التي أمضيتها كفيلة، بالنسبة لي، لاستشراف رؤى، لاستكمال لعبة الكتابة الخطرة، داخل متاهة الحرف، ومتعة التصورأحياناً، ومشاركة الذين برزواكما لوأنهم مفاجآتيون، وأمسى الوقت نفسه مشخصاً بثوانيه ودقائقه ولحظاته رفقة أشخاص لم يخطروا بالبال، وإذا بهم ملء العين، إذا بالصورة الملتقطة تحيل فسحة مكانية وزمانية إلى مشهد حركي في أرشيف الذاكرة، وفي الوقت نفسه إلى كلمات تتوزع جملاً ذات معنى للقارىء، تتصيد مواقف، وتختلس مشاهد محددة اختلاساً.

هل بدأ الأدب هنا؟ ليس الوضع كذلك، فثمة الكثير سوف يثار لاحقاً، عبر العين الراصدة والأذن المصغية والموقف المتجلي، من خلال حلقات متسلسلة، لاأستطيع تحديدها بالتأكيد. ولعل المكتوب يضاف إلى بعض ما أثرت في أعمال سابقة لي، ولكن الصياغة مختلفة، كون الذين رافقتهم، والذين التقيت بهم، والذين جاورتهم، والذين تجاذبت وإياهم أطراف أحاديث معينة، ودخلنا في حوار غير منتظر، إضافة إلى النشاطات الرئيسة التي تهيأنا لها، ولأجلها شددنا الرحال...الخ، يشكلون عالماً لايخلو من جدة وطرافة في تدشين الحلقات. أهو كتاب منتظر إذاّ؟ لاأقول هذا ، ولاأسميه، مادمت في البداية، وإذا كان هذا طي المجهول، فلأن القادم من الأيام هو الذي ينبىء بذلك، إذ المهم، هوأن الحلقات التي ستبرز ضوئية، ستفصح عن مشاهدات كثيرة يشاركني فيها كثيرون، ولكن الرؤية مختلفة، كما هو الحوار بأطرافه، أو كما كان الملتقى بأطيافه، فثمة الكثير الذي لم أتمكن من قوله، لأن الوقت كان الحاسم في ذلك، وسط حشد المدعوين، وكان من المستحيل قوله، لأن ماترتب على المشاهدات تلك، يشكل تحريضاً للكتابة المتسلسلة. ثمة حوار من نوع مختلف، ثمة أشخاص كائنون، مقيمون في الحيّز الكتابي المتتالي هذه، ثمة أسماء لاتذكر، كون المواقف المرسومة هي الضامنة لذكرأصحابها، كون التلميح يفي بالغرض، ثمة علامات استفهام تطال أشخاصاً اعتباريين ربما، تجلوسلوكات فيهم، ثمة أسماء حقيقية، تعتبرالنزيلة الرمزية في مبنى كتابتي هذه، ثمة مواجهات مع أمكنة تحتفظ بآثار تستفز الذاكرة، متلفزة، مع صورلاتهداً بدلالاتها، مع شخصيات، تشكل تاريخاً ليس بالامكان تجاهله... هل من (فضائح كتابية)؟ سؤال أطرحه، لأن ثمة من يترقب مثل هذا الجانب! وجوابي، ليس المثارفضائحياً، بقدر ما تشكل المواقف المرصودة من منظور وعي الذات الانتمائية إلى المكان والتاريخ الذي نعرف به: قريباً وبعيداً، الدائرة الأوسع، فالكتابة إن لم تكن محكاً ، لاقيمة مبئية لها، إن فيها بعضاً أثيراً من كرديتي متداخلة مع سوريتي، والاثنتان في حواروتحاورلايتوقفان، وبعضاً أثيراً من انتمائي المكاني والانساني خلالهما، لاأستطيع تسميته، وليس من حقي المباشر أن أسميه، فهذا شأن من شؤون القارىء، والقراء كثيرون عدداً.

(من القامشلي إلى هولير) حقيقة مشاهدات خاصة بي، أريد نثرها باسم شاهد أمكنة بمتضمناتها المختلفة.

 
الصفحة التالية طباعة الصفحة