الصفحة السابقةالصفحة التاليةطباعة

موقع الإرهاب في خارطة الصراع

اذا كان صحيحا ان " الحرب تعبير عن السياسة " فما علينا الا اطلاق " سياسة الموت " على حرب الارهابيين ضد الكل – الآخر بمواجهة اشكال سياسية اخرى في الحياة مثل سياسة البناء والوفاق والتسامح والتوافق والعيش المشترك والحوار والتعاون الخ ...و" سياسة الموت " هذه لن تنتهي فصولها بتفجيرات مترو الانفاق في لندن او المسلسلات التفخيخية اليومية الجارية في العراق لسبب بسيط وهو ان هواة ابادة الآخر يمثلون رؤا لا حظوظ لها حاضرا ومستقبلا وعاجزون عن نشرها وتسويقها بين الناس ولا يتقبلها جيل الناشئة الا في حالات نادرة وبالتالي يحاولون فرضها بقوة الخوف ويدفعهم اليأس الى فرض القناعات على محاوريهم المفترضين فقط بازالتهم عن الوجود عبر كل الوسائل الممكنة بما فيها المحرمة منها دينيا ودنيويا .


- * -


ظاهرة الارهاب كنهج وسلوك رافقت وجود البشر منذ الازمان السحيقة كتعبير غير سوي ومناقض لسمو طبائع الانسان عن اوجه الاشتباك بين المصالح والاختلاف بين الاجناس والاعراق والمعتقدات ومورس بصور متعددة واشكال متفاوتة تميزت بالتنوع حسب مراحل التاريخ وطبيعة الطبقات الاجتماعية السائدة , يمكن لاي متابع لاحداث التاريخ ان يلحظ بوضوح جذور الاعمال الارهابية ونتائجها المأساوية على التطور الانساني اضافة الى تنوع الوسائل والاهداف والادوات في كل عصر من عصور التحول البشري من مجتمعات الرق والعبودية والاقطاع الى الكيانات الاكثر تنظيما لوظائف الافراد والفئات والطبقات والاقرب الى المدنية والحداثة والانفتاح في ظل العلاقات الرأسمالية او الاشتراكية وتحت سلطة استبدادية او حكم ديموقراطي بآيديلوجية تيوقراطية او شوفينية او ليبرالية او شمولية في جميع هذه المستويات مورس ويمارس الارهاب قليلا اوكثيرا مدروسا او عفويا دولتيا او حزبيا او فئويا او فرديا سياسيا او دينيا او مذهبيا .


- * -


جميع شعوب العالم واقوامه ابتلوا بآفة الارهاب ودفع البعض منها ثمنا غاليا واذا نحينا جانبا عشرات الملايين من ضحايا الاقتتال والحروب المحلية والعالمية ومانتجت عنها من كوارث وما تخللتها من انتهاكات لحقوق الانسان نجد في التاريخ صفحات دامية سوداء سجلت بحروف بارزة لن تمحى من الاذهان وتبقى شاهدة على البعد الآخر من الهمجية والعبثية وامتهان الكرامات وبدون الغوص في اعماق التاريخ لتشخيص المر من حوادثها والذي هو من مهام المؤرخين والعودة الى احداث العصور الاخيرة لنشير الى البعض القليل من تجلياتها المفجعة الشاهدة على المعاناة والكوارث الانسانية كغزوات هولاكو وتشنيعات الامبراطوريتين الصفوية والعثمانية وحملات ابادة الكرد والارمن واقتلاع الشعب الفلسطيني وقبل ذلك عمليات التقتيل من جانب المعتدين الآتين من خارج المنطقة مثل المحاربين الرومان واقطاعييو ونبلاء شعوب اوروبا في اطار الحملات الصليبية لنصل الى ارهاب القوى الكولونيالية التي فتتت المنطقة واستغلت خيراتها ووضعت حدودا وحواجز بين شعوبها على ضوء مصالحها ولمدى غير منظور ولننتهي بالارهاب المنظم ضد الشعوب من الانظمة المستبدة الشمولية التي انتجت بدورها وصدرت الطراز الاخير من انواع الارهاب باسم الاسلام .


- * -


في الغالب مورس الارهاب اما باسم الآيديولوجيات السياسية اوالعقائد الدينية وكلاهما ينضويان تحت عباءة الاصولية وفي بعض مراحل التاريخ كان من الصعب التمييز بينهما بسبب التداخل بين القومي والديني حيث هناك حتى الآن قوميات تختلط في مقوماتها ونشأتها عناصر اثنية وايمانية وهناك شعوب وبعبارة أدق نخب سائدة وحاكمة وحتى منظمات عسكرية ومدنية في بعض البلدان تنتهج سلوكا تضليليا بوضع العمامة على الرؤوس المفعمة بالقومية العنصرية . منذ الحرب العالمية الثانية وخلال تحكم القطبية الثنائية بمصير العالم وحقبة الحرب الباردة بين الشرق والغرب لم تخل بنود استراتيجية الغرب الامبريالي في صراعه المصيري مع المعسكر الاشتراكي وبضمنه حركات التحرر الوطني من ممارسة انواع من العمليات الارهابية والاعتماد على انظمة دكتاتورية وفاشية مدانة اضافة الى استخدامها للعديد من المنظمات والمجموعات الارهابية وفي المقدمة التيارات الاصولية الاسلامية وعلى رأسها قاعدة – بن لادن – ( اعترفت وزيرة الخارجية الامريكية في محاضرتها بالجامعة الامريكية بالقاهرة بان بلادها اخطأت ستين عاما في سياستها تجاه شعوب العالم وفي علاقاتها مع الانظمة المستبدة ) خلاصة القول في وقائع قوى الصراع في الماضي شكل الارهاب بشكل عام جزء من استراتيجية اليمين العالمي ضد الاشتراكية والتحرر والتقدم مع بعض الاستثناءات وخاصة في الشرق الاوسط ولفترات محددة عندما حاولت الاحزاب الشمولية المستبدة وخاصة حزب البعث من احكام سيطرتها بواسطة الشعارات – التقدمية – والحصول على دعم الاتحاد السوفييتي السابق واللعب على حبال السياسة الدولية .


- * -


على أعتاب القرن الحادي والعشرين وفي خضم عملية تطبيع النظام العالمي الجديد تظهر ملامح اصطفاف قوى وخاصة في منطقة الشرق الاوسط تختلف عن ما كانت عليها في السابق حيث تشكل الحرب على الارهاب من معالمها البارزة بل المعادلة الاساسية في ادارة الصراع العالمي في المدى المنظور ففي حين يجمع الرأي العام العالمي من قوى عظمى وهيئة الامم المتحدة ومنظمات حقوق الانسان وتكوينات المجتمع المدني وما تبقى من حركات التحرر الوطني والقوى السياسية العاملة من اجل التغيير والاصلاح على مواجهة الارهاب وادواته بكافة الوسائل السياسية والثقافية والاجتماعية والتربوية وحتى العسكرية نرى في الجانب الآخر المقابل تحالفا بين انظمة الاستبداد التي مازالت تقاوم التغيير الديموقراطي باالاستناد الى منظومات امنية وعسكرية من جهة , وجحافل الاسلام السياسي من منظمات ومجموعات وافراد تعمل باسم الدين والمذهب من جهة اخرى مع انخراط تيارات قومية عنصرية ويسارية سابقة في صفوف هذا التحالف بين الحين والآخر , وهكذا نلمس بوضوح وبالرغم من التحولات الجذرية في بنية عوامل وادوات وقوى الصراع الدولي فان – الاسلام السياسي – بنهجه وسلوكه وآيديولوجيته وممارساته الدموية يستمر في دوره السلبي المعادي لارادة الشعوب ويتصدر حركة الردة والنهج الظلامي ويشكل رأس الحربة في الخندق المعادي للحرية والتقدم والسلام في عصرنا الراهن كما كان في المراحل السابقة .

الصفحة السابقةالصفحة التاليةطباعة