الصفحة السابقةالصفحة التاليةطباعة

مقدمة المؤلف

بعد أن أصبح الارهاب بمختلف أشكاله جزء من حياتنا وهاجسا حاضرا يحسب له الحساب في طريقة تفكيرنا وبرامج عملنا في حاضرنا ومستقبلنا شعرت بضرورة أن أقوم بمحاولة في الاسهام بهذا الجهد النظري المتواضع حول آفة العصر الراهن وتأثيراتها المباشرة على محيطنا الاجتماعي في بلادنا ومنطقتنا وعلى الكرد وقضيتهم وكفاحهم وجذورها وأسبابها ووسائلها ونتائجها الكارثية وانعكاساتها على مسيرة التطور والبناء والتغيير الديموقراطي المنشود .
وهنا أرى من العبث اضاعة الوقت في مواصلة النقاش كل مرة حول تعريف الارهاب ورد حجج الزاعمين المطالبين بالتمييز بين ما يسمونه بين المقاومة والارهاب لكأن جزّ رقاب البشر وذبح الانسان من الوريد الى الوريد وتفجير السيارات المفخخة بين الاهالي والمساكن والاماكن العامة والخاصة مشروع وحلال باسم المقاومة اوفي سبيل اعلاء كلمة – الاسلام – فالارهاب واحد كيفما كان واينما كان لأنه في جميع الحالات اما ان يكون جريمة منظمة أو عنصريا أو دينيا أو طائفيا أو سياسيا أو فكريا سلطويا أو فئويا والجميع يتساوى في العجز من تحقيق أهدافهم بالطرق المشروعة وفعلهم موجه ضد عدو لا يمكن أن يهزم والارهابييون جميعا ليسوا محاربين ولا يجب معاملتهم على هذا الاساس حسب رؤية الفيلسوف الألماني ( ي – هابرماس ) وهو مدان اذا جاء نتيجة استخدام العنف غير المشروع , وسيستمر ذلك الجدل العقيم الى أن تتحرر البشرية وخاصة شعوب الشرق من قيود الجهل والتخلف الظلامي ويسود الوعي العلمي المنفتح والارادة الحرة والحياة الكريمة السعيدة في ظل العدالة وتكافىء الفرص والى حين تحقيق ذلك سيبقى سيف الاختلاف في تعريف الارهاب بين الحضارات والثقافات والجماعات سيفا مسلطا وعقبة أمام عملية استئصاله من الجذور.
اذا تركنا جانبا ما لاقته البشرية من أهوال وكوارث بفعل الأعمال الارهابية طوال التاريخ وبجميع أشكاله حيث المؤرخون والباحثون قد دوّنوا في سنوات العقد الأخير فقط آلاف الأعمال والكتب والمقالات والابحاث حول أسباب ونتائج وتبعات الارهاب على الصعيد العالمي واذا ما اردنا التوجه نحو الحالة الكردية – وهو ما سنفعله – فسنكون وجها لوجه أمام حقائق مذهلة وأحداث تاريخية ومعاصرة تؤكد على تجربة كردية غنية في مسألة الصراع مع الارهاب الديني منه والدولتي والفئوي . فمنذ العصور الغابرة لم يكن شعب كردستان بمنآى عن غزوات ونهب وتدمير جيوش الامبراطوريات الأشورية والفارسية والرومانية – البيزنطية وكمثال فان هذه الأخيرة قد ألحقت الدمار بكل ما مرت عليه من أرض وبشر خلال رحلة – العشرة آلاف ميل أو جندي – التي سلكت ممرات كردستان قبل الميلاد بحوالي اربعمائة عام . وشهدت المنطقة دورات من الموجات الارهابية ضد السكان الاصليين لدى حدوث الغزوات والصراعات بين الشعوب والاقوام المحلية والغريبة ان كان حول الخيرات الاقتصادية والبحث عن المياه والمراعي والنفوذ والسيطرة أو نشر الدعوات الدينية من الغرب والجنوب من مسيحية واسلامية على حساب الديانة الزرادشتية القديمة .
واجه الكرد في أحدى مراحل تاريخهم ابان عصر الامبراطورية الأيوبية ارهاب – المسيحية السياسية – المتمثل في ما سمي بالحروب الصليبية التي حدثت في القرنين الحادي عشر والثاني عشر ورغم أن الصليب كان شعار ورمز تلك الحملات العسكرية الغازية من جانب ملوك ونبلاء أوروبا ورجال الكنيسة الا انها كانت في حقيقة الأمر رغبة استعمارية جامحة للسيطرة على موارد المنطقة وخيراتها وهنا تجلت عملية دمج الدين بالسياسة بأجلى صورها وكان لها مردود سلبي ونتائج وخيمة ما زالت آثارها بادية رغم مرور قرون عليها . وفي التوقيت ذاته تصدى الأيوبييون لشرور نوع آخر – مذهبي – وهو ارهاب – الحشاشين – في جبال العلويين وكانت احدى الفرق الشيعية التي انتهجت سبيل تحقيق أهدافها السياسية عن طريق الارهاب وحاولت القضاء على المقابل المخالف من المذاهب الأخرى بوسائل التصفية والاغتيالات .
خلال مراحل الصراع على النفوذ بين الامبراطوريتين العثمانية والصفوية والتي دامت قرونا كان شعب كردستان الموزع بينهما وقودا لارهاب الدولتين المشبعتين بروحية ومفاهيم الاستبداد الشرقي البالغ القسوة واستمر ذلك وبنفس القدر من القهر والخطورة من جانب الانظمة في الدول التي قامت على أنقاض الامبراطورية العثمانية ومنها تركيا والعراق وسورية اضافة طبعا الى ايران وهكذا يكون شعب كردستان قد استمر في معاناة الارهاب – الدولتي – اكثر من ستة قرون وبجميع اشكاله المعروفة لدى المجتمع الدولي ومنظمات الامم المتحدة وقبلها عصبة الامم من احتلال وجرائم الحرب وابادة الجنس البشري بالاسلحة الكيميائية والفتاكة ومصادرة وضم الاراضي وتقسيم الامم والاوطان والحاق الضرر بالممتلكات والثروات الوطنية والاغتيالات وتغيير التركيب الديموغرافي والتهجير القسري والمعاملة غير الانسانية وطمس ومنع الثقافات والتعذيب الجسدي والنفسي كل ذلك على أساس التميز القومي العنصري الثقافي الموجه ضد الشعب الكردي , في أكثر الأحيان تقوم الدول المعنية بمهامها الارهابية حسب خططها وأجندتها الخاصة وفي بعض الأحيان عبر أنواع من التنسيق الثنائي والثلاثي والرباعي وهذا الشكل يمكن أن نطلق عليه – الارهاب الاقليمي - .
ساهم الغرب – الاوروبي – الامريكي – في ارهاب شعب كردستان باستبعاده من أية حقوق ومن حريته في تقرير المصير بعد تقاسم ميراث السلطنة العثمانية وتقسيم منطقة الشرق الاوسط واقامة عشرات الدول والكيانات كما أنه كان وراء تقطيع أوصال كردستان – العثمانية – وتوزيعها على كيانات حديثة ثلاث بالضد من ارادة الكرد وتثبيت ذلك في اتفاقيات ومعاهدات دولية من سايكس – بيكو الى لوزان , وواصل الغرب عبر أنظمته وأحلافه الاستعمارية المعادية لحرية الشعوب بدعم الانظمة والحكومات الدكتاتورية والشوفينية الحليفة له خلال نصف قرن في الشرق الاوسط ومن بينها الحكومات التي تضطهد الشعب الكردي ومدها بالسلاح والدعم الاقتصادي وفي أحيان كثيرة تحول طرفا مباشرا في ايذاء الكرد ومشاركا في تنفيذ الخطط الشوفينية والانتقامية والغدر بهم وارهابهم .
عرف الكرد في تاريخهم الحديث منذ الحرب العالمية الثانية ارهاب - الدولة القومية – التي سادت في الدول الاربع المعنية بالقضية الكردية بقيادة البيروقراطية العسكرية والمدنية المشبعة بآيديولوجيا استعلائية القومية السائدة كنمط رئيسي في قهره واضطهاده وواجهوا عبر حركتهم القومية التحررية الديموقراطية خطط الانظمة في الدول المقتسمة لكردستان وطريقتها في ادارة – الأزمة الكردية – بأجندتها الشوفينية وخططها العنصرية االمستندة الى الحلول العسكرية والتمثلية القومية وتغيير التركيب الديموغرافي للمناطق الكردية والتجهيل والتهجير والحرمان من الحقوق الاساسية بما فيها حق الجنسية والمواطنة.
أما نمط ارهاب – الاسلام السياسي – الحديث نسبيا في بروزه وتفاقمه بشكله الراهن منذ توقف الحرب الباردة والتحولات الكونية باتجاه المراجعة العالمية وخاصة من جانب الغرب في اعادة الاعتبار لحق الشعوب وحقوق الانسان وطرح المشاريع المستقبلية التغييرية خاصة بشأن – الشرق الأوسط الجديد - فقد ابتلي به شعب كردستان وحركته التحررية الديموقراطية منذ عقد أو أكثر بقليل وذلك لأسباب معروفة أولها انحياز جماعات – الاسلام السياسي – الى النهج القومي الشوفيني عندما وصل الأمر الى امكانية اجراء التغيير الدموقراطي في المنطقة وازالة الانظمة الدكتاتورية بعد سقوط الدكتاتورية في العراق وبالتالي التحالف مع القوى السياسية الحاملة لافكاره ومواقفه وفي المقدمة بالنسبة للعالم العربي حزب البعث . وثانيها اصرار جماعات – الاسلام السياسي – على الوقوف ضد أية محاولة جادة باتجاه حل المسألة الكردية على أساس الديموقراطية وحق تقرير المصير وهو يعود أيضا الى تأثيرات الآيديولوجيا القومية التي يعتنقها في قرارة نفسه وينطلق منها في رؤيته لحقوق الشعوب الاخرى وقد شاهدنا وخبرنا نماذج عديدة من جماعات الاسلام السياسي ليس في العراق وسورية فحسب بل في ايران عندما رفضت – الخمينية – كتجسيد – للشيعية السياسية – مطالب الكرد وشعوب ايران الاخرى بل واجهتها بالحديد والنار باسم الاسلام وأفتى في وقت من الاوقات على قتل الكردي في وثيقة سميت – بمفتاح الجنة – وفي تركيا كانت ومازالت أحزاب – الاسلام السياسي – في الحكم والمعارضة على تنافس مع الاوساط العسكرية والاحزاب القومية التركية في كيفية القضاء على الحركة الكردية وقهر الشعب الكردي في تركيا وما زال ارهاب الميليشيات الاسلامية الرديفة لقوى الجيش والكوماندو التركية ماثلا أمام الأعين في مدن وقصبات كردستان تحت مسميات – حزب الله – وغيره وثالثها وقوف الكرد وحركتهم التحررية في الخندق المواجه للارهاب والاستبداد والى جانب قوى التغيير والاصلاح والديموقراطية والسلام .
كل الدلائل تشير على جواز استمرارية التحالف – غير المقدس – بين الاصوليتين العلمانية والدينية في منطقتنا في مواجهة التغيير الديموقراطي والمجتمع المدني المنشودين والمصالحة الوطنية بين مكونات الدول القومية والدينية والثقافية والسلم الأهلي , وبسبب مخاطر هذالتحالف بين ( الدولة القومية والاسلام السياسي ) على مستقبل حل القضية الكردية سلميا وعبر الحوار والذي يقوم فيه – الاسلام السياسي – بالدور الاكبر والاخطر سيكون التركيز في الصفحات التالية على هذا الجانب وآمل أن ينال ذلك تفهم ورضى القراء الأعزاء .
 


صلاح بدرالدين
5 آب – 2005
إقليم كردستان العراق الفدرالي

الصفحة السابقةالصفحة التاليةطباعة