مقدمةالفصل الأولالفصل الثانيالفصل الثالثالفصل الرابعالفصل الخامسالوثائق

مقدمة


 

تجتاح شعوب العالم موجه هائلة من التجديد واعادة البناء والتكوين في هوياتها الذاتية القومية، في ما بعد الحرب الباردة وفي ظل اصطفافات وافرازات تعاظم القطبية الاحادية، وانتشار العولمة، والاقتراب من انجاز هيكلية النظام العالمي الجديد والعودة الى اعادة بناء الدول على انقاض الامبراطوريات والمركزية المطلقة لمصلحة اعادة الاعتبار لمبدأ حق تقرير مصير الشعوب والقوميات والاستجابة لارادة المضطهدين منذ قرن بالتحرر والانعتاق، واحياء الديموقراطية على قاعدة التغيير واجراء تعديلات واصلاحات جذريه على انظمة بالية ومتخلفة لتتواكب مع ركب التطور والتقدم، وتبديل مناهج التعليم التي لم تعد تصلح لتربية الجيل، وازالة الغبن التاريخي عن كاهل المرأة لتصبح شريكة حقيقية للرجل على صعيد نشدان الحياة السعيدة والتعايش والتعاون.

وتكاد تتشابه سمات هذه المرحلة وعناوين اتجاهاتها البارزة مع معالم المرحلة التي اعقبت الثورة الفرنسية عندما انتشرت مبادئ ديموقراطية وليبرالية واشتراكية بين اوساط شعوب اوروبا، وشهدت القارة حينذاك صعوداً بارزاً ومتنامياً للافكار القومية في اطار التحرر وحق تقرير المصير والاستقلال الوطني والتي تصدرتها البورجوازية وحملتها الطبقات الشعبية والاوساط الجماهيرية الواسعة . حيث استطاعت هذه التوجهات والتحركات الجديدة مواجهة الكنيسة فانحسرت نفوذها وسقطت مفاهيمها حول قضايا الشعب والحقوق القومية والديموقراطية والمساواة والسلطة ومراكز القوى ودور الملك والامبراطور وعلاقة الدين بالدولة.

في منطقة الشرق الاوسط التي تعيش الآن اجواء اوروبا في اعقاب الثورة الفرنسية، تبدو الصورة اكثر وضوحاً والمهام معروفة واكثر شفافية والعنوان الابرز هو استكمال انجاز المسألة الوطنية التي لم تحل بعد منذ اكثر من قرن رغم المحاولات الفاشلة لانظمة التحرر الوطني بعد الاستقلال وهي تتضمن اساساً قضايا حرية الشعوب والقوميات وتعايشها السلمي ومبدأ حق تقرير المصير ونشر الديموقراطية والمساواة والعدالة الاجتماعية في توزيع الثروة وادارة السلطة والتناوب عليها نتيجة الانتخابات الحرة والقبول بحكم الاغلبية ومعارضة الاقلية، والامتثال لبنود الدستور الذي يقبله المجموع والذي يضمن وجود الآخر والتعددية القومية والثقافية والسياسية.

عامل آخر اندمج مع رياح التغيير في الشرق الاوسط والذي عززها واضاف اليها بعداً جديداً وهو استخلاصات ونتائج احداث 11 سبتمبر عام / 2001 في الولايات المتحدة الامريكية، والنهج التغييري الحديث للادارة الامريكية حول قضايا الشرق الاوسط والمواقف من انظمتها بما فيها الحليفة التقليدية لها، واقتراب هذه الادارة من مواقع الشعور والاحساس بمخاطر وامراض وثغرات هذه المنطقة التي كانت مسرحاً لاكثر من نصف قرن للصراع بين الجبارين السوفيتي والامريكي حول النفوذ. ومهملة تنتظر الاقدار ومرتعا للمواجهات العرقية والايديولوجية والاستنزاف والحروب بالوكالة كوجه من اوجه الحرب الباردة غير العادلة بين القطبين.

تشكل المسألة القومية منذ انتهاء الحرب الباردة واتخاذ الادارة الامريكية مركز الصدارة في السياسة الدولية المحرك الرئيسي في ادارة الازمة على الصعيد العالمي حتى لو لم يجري الاعتراف بذلك من جانب الفرقاء المعنيين وصناع القرار، ووسائل الاعلام التي مازالت تدار من جانب القوى القديمة التي لم تأبه بعد لحقائق العصر، ان ما جرى في اوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي السابق ويوغسلافيا السابقة منذ العقد الاخير للقرن العشرين يوضح بجلاء السمة القومية للاجراءات والحروب والنتائج ، فقد تم تفكيك المركزية الادارية والدولتية للامبراطورية السوفييتية والفدرالية اليوغسلافية الاشتراكية على اساس قومي وحسب ارادة الشعوب المقهورة وفي أطر جديدة ( استقلال تام – فدرالية ) وحسب ارادة واختيار الناخبين من ابناء تلك الشعوب والقوميات وباشراف دولي. وما جرى في آسيا لايختلف من حيث المبدأ عن المنهج العام فقد تم اعادة بناء (افغانستان) حسب مؤتمر (بون) الذي ضم ممثلي جميع الشعوب والقوميات الافغانية الى جانب ممثلي (القومية البشتونيه) السائدة على قاعدة التعددية والاعتراف بحقوق الآخر واحترام ارادة الطرف المقابل وحسب مبدأ الشراكة في الحكم والادارة والبناء، وفي (اندونيسيا) تم الاستجابة لارادة شعب (تيمور الشرقية) في الاستقلال القومي واعلان الدولة المستقلة وبدعم وتجاوب دولي منقطع النظير.

في القارة السوداء كان الامر اكثر جلاء والمساهمة اكثر شمولية وخاصة في تجربة (جنوب السودان) حيث جرت الوساطة (الامريكية–الاوروبية–الافريقية) بين طرفي الصراع وتمت الموافقه من الطرفين على اعادة تشكيل السودان الجديد من كونفدرالية اتحادية بين الشال والجنوب على اساس تقسيم السلطة والثروة وحسب مبدأ حق تقرير المصير.

في هذا المجال علينا عدم اهمال دافع آخر جوهري لعب دوراً محورياً في جلب الانتباه الى المسألة القومية وضرورة حلها والاقدام على انجازها في القارات الثلاث وهو العلاقة العضوية بين هذه المسألة من جهة وبين الحرب العالمية ضد الارهاب التي لاتتوقف فقط على العمل العسكري والمواجهة العنيفة بل تتطلب في اكثر جوانبها المعالجة السياسية والثقافية والاقتصادية، فعلى ضوء الابحاث والدراسات تم التوصل الى حقائق جديدة في اسباب بروز الارهاب ومن اهمها أن الساحات التي تفتقر الى مبادئ المساواة بين الشعوب وتشهد قمع واضطهاد القوميات وعدم الاعتراف بحقوقها وتهميشها هي الاكثر قبولاً لنمو الخلايا الارهابية وخاصة من جانب ابناء الشعوب المقهوره لذلك رأت مصادر القرار في العالم وخاصة في امريكا واوروبا أن من المستحسن معالجة قضايا الشعوب والقوميات ووضع اسس ومبادئ عادلة لحلها في مختلف دول العالم وقاراتها.

ومن هنا فان مهمة التصدي لمعالجة المسألة القومية بكل تجلياتها وعلى الصعد المحلية والاقليمية والعالمية باتت جزءً لايتجزأ من مهام مواجهة الارهاب، واسقاط الدكتاتوريات، ونشر الديموقراطية، واجراء التغييرات والاصلاحات على نظم الحكم ومناهج التعليم وهذه المهام بمجملها كل لايتجزأ ولا يجوز التخلي عن أي جانب من جوانبها اذا كان الهدف التوصل الى الحلول وليس العكس.

الانظمة في الدول المقسمة لكردستان والشعب الكردي هي اما ان تكون شمولية أو دكتاتورية أو تيوقراطية أو انتقالية (كما في العراق) وهي تشترك معاً في النزعة الشوفينية ورفض الاخر الكردي وعدم الاعتراف بحق الشعب الكردي في تقرير المصير حسب اختياره وارادته الحره . لذلك فان هذه الانظمة في طور انتقالي تنتظر مصيرها اما في التغيير الجذري وبالطرق المختلفة، أو بتحسين سلوكها وتغيير دساتيرها واجراء مصالحه وطنية شاملة تكفل بناء الدول الحديثة ذات المواصفات المطلوبة محلياً وعالمياً.

ومن هذا المنطلق نحاول التصدي لمهام التغيير ومناقشة قضايانا المشتركة مع الشعب العربي والشعوب التركية والايرانية، منطلقين من حقيقة أن مناقشة الموضوع القومي الكردي بما هو حق تقرير المصير واتحاد اختياري وشراكة عادلة وطرح الافكار والمشاريع حوله، هو مساهمة في الوقت ذاته في البحث عن سبل انجاز مهام تحقيق الديموقراطية والتقدم الاجتماعي و التآخي بين الشعوب وازالة الدكتاتورية والتوصل الى المجتمعات الحره الموحدة ومحاربة الارهاب (ارهاب الدولة والافراد ) وبالاخير بناء الدولة العصرية الحديثة التي تتعايش فيها كل الشعوب والقوميات التي يكفل الدستور حقوقها ويضمن مستقبلها .

اربيل /اذار- 2004