فكرية   سياسية   ثقافية   تصدر عن رابطة كاوا للثقافة الكردية


هزرى  راميارى  رۆشنبيرى  بنكـﻪى كاوﻩى رۆشنبيرى كوردى دﻩرى دﻩكات


Hizrî  Ramyarî  Çandî Kombenda KAWA bo çanda Kurdî derdexe

          المشرف العام: صلاح بدر الدين               هيئة التحرير: فدان ادم     عبد الخالق سرسام     بسام مصطفى               مستشارو التحرير: فردة جميل باشا     د. هفال ميرو      جعفر حسن     فؤاد ﮔﻤـو        د. رضوان علي        د. محمد رشيد        د. محمود العربو         دلاوه ر ميقري       الإخراج الفني: عصام حجي طاهر            تنضيد: زوزان أنور                                                     ﭼﺎوديـ̌ـرى ﮔـشتى: سـﻪلاح بـﻪدرﻩدين          دﻩستى نوسـﻪران: ﭬـﻪدان ئادﻩم          عـﻪبدولخالق سـﻪرسام           بسام مصطفى           شيرﻩتكارى نوسـﻪران: فـﻪرده جـﻪميل ﭘـاشا     د. هفال ميرو         جـﻪعفر حسن         فوئاد ﮔﻪمو         د. رضوان عـﻪلى         د. محمد رشيد        دلاوه ر ميقرى           تيبـﭼن: زوزان ئـﻪنور         دﻩرهيـ̌ـنانا هونـﻪرى: عيسام حـﻪجى تاهر                                                              Çavdêrê Giştî: Selah Bedredîn          Desteka Nivîskara:Vedan Adem                Ebdilxaliq Sersam         Besam Mistafa        Şîretkarên Nivîskara: Ferde Cemîl Paşa     Dr. Haval Miro     Jefar Hesen       Foad Gemo         Dr. Razwan Ali       Dr. Mihammed Raşid       Dr. Mehmod Alerebo      Dilawer Miqiri        Derhênana Hunarî: Îsam Hecî Taher                                      

الـعدد

 20

السنة الثانية

 9/2006

 
مقالات العدد عشرين
 المقالات باللغة:
    العربية
    كوردى
    Kurdî
 أرشيف المجلة
 خطوط / Tîp
 Ali_K_Traditional
 ملاحظات/Hajêhebun
 الاتصال / contact
binkeykawa@hevgirtin.net
    ت / 2242843
    ت / 2240441
 الاشتراك/ Abune

محاكمة وادانة صدام أو اعادة الاعتبار للعلاقات الكردية العربية   الأفتتاحية
الملف  : لبنان يحترق ماذا يجري في لبنان ؟   صلاح بدرالدين
الخسارة الثانية للجولان   د. برهان غليون
دعوا صلاح الدين مستقيماّ في ضريحه ولا تشوهوا ثورات الشعوب الظافرة ...؟   جريس الهامس
مهمة الوطنيين الأولى في لبنان دحر العدوان وبناء الدولة   فريد حداد
رؤيتان حول الأقباط : المجتمع القبطي ... كيف كنا وماذا أصبحنا ؟   سامي المصري
الأقباط والاصلاحات الدستورية   وحيد حسب الله
 الأمازيغ كما عرفتهم –  رحلة الى قلب التاريخ سيوة ارض الامازيغ المصريين   أمير المصري

 

الأمازيغ كما عرفتهم - رحلة الى قلب التاريخ - سيوة ارض الامازيغ المصريين

امير المصرى

 

بمجرد قرائتى لكلمة الامازيغ فى احد للمواضيع Izenzaren فى احد مواقع الانترنت اسرعت ضاغطا بمؤشر الماوس على الرابط المؤدى الى موقع موسيقى و اغنيات عبد الهادى الأمازيغى المغاربى و ذهبت اتجول فى الموقع ..

الموقع بسيط لا يحتوى على الوان صاخبة ولا اية رسومات عدا صفحة فلاشية فى المقدمة عبارة عن منظر طبيعى لساحل البحر و الصفحات الداخلية لا يوجد فيها سوى الوان خلفية سماوية فاتحة .. و يميز هذا الموقع اغانية الهادئة بلا صخب و التى تتحدث عن حياة الامازيغ و طبيعتها .. و هذه الآلة الموسيقية و هى البانچو و ليس البنجو المخدر .. و هى آلة وترية ترجع فى اصولها القديمة الى اصول مصرية خالصة .. تطورت عبر الزمان و انتقلت الى اسبانية و البرتغال ومنها الى امريكا الاتينية عبر احتلال الاسبان و البرتغال لها .. و اصبح لها عدة اشكال .. و لكنها فى الاصل مصرية قديمة قدم التاريخ ..


الموقع باللغة الفرنسية و هو افضل كثيرا مما لو كان باللغة الامازيغية
Tamazighet.. و ان كان هذا صعب لأن اللغة الامازيغية لغة منطوقة و ليست مكتوبة بحروف نعرفها او نفهمها و انما هى تكتب بحروف هى خليط من الرومانية القديمة و الحروف اللاتينية .. و حتى لو كتبت بطريقة التحويل الحرفى Transliteration فلن نفهم منها الا بعض الكلمات الفرنسية التى طعمت بها لتعويض النقص فى المصطلحات الحديثة .. الامازيغية المغربية .. او كلمات عربية للأمازيغية المصرية ..



من هم الامازيغ
Amazighen


الأمازيغ هم عرق من احد الاعراق الكثيرة المنتشرة فى وطننا العربى فى الجزء المنحصر فى شمال غرب افريقيا من غرب مصر و حتى سواحل المحيط الأطلنطى .. و ينتمون فى اصولهم القديمة الى قبائل البربر التى كانت فى العصور القديمة مسيطرة على هذه المناطق من سواحل البحر المتوسط و حتى عمق يزيد الى خمسمائة كيلومتر جنوبا فى الصحراء ..

موطنهم فى مصر و واحة سيوة و ما حولها احد عشر قبيلة و 22 الف نسمة .. و هى موازية لواحة يغبوب ( و قد يرجع اسم يغبوب الى الاسم الامازيغى الاصلى ئغبولا بمعنى عيون الماء من المفرد أغبالو بمعنى عين الماء) او جغبوب فى ليبيا و جدير بالذكر ان واحة جغبوب (يغبوب) ارض مصرية اصيلة فى حين ان منطقة مرسى مطروح ارض ليبية اصيلة و لكن عند ترسيم الحدود تم مد الحدود المصرية حتى هضبة السلوم كمانع طبيعى و اتخذ خطا مستقيما حتى نقطة التلاقى بين حدود ليبيا و تشاد و السودان و مصر فى اقصى جنوب غرب العوينات .. و تشترك سيوة و جغبوب فى منخفض واحد ..

و لذلك نرى ان الامازيغ المصريين يفخرون بمصريتهم الأصيلة و يعتبرون ان لهم دورا تاريخ مصر (يأتى لاحقا) فى حين لايرى عرب مطروح انهم مصريون .. و هذا تاريخيا قد يكون صحيحا و لائقا و لكن واقعيا بالطبع لا يصح و لا يليق .. و لكن المجتمعات القبلية لها اصولها و طباعها التى قد لاتقبل بالواقع ولا تتمسك الا بما كان ..

يعيش الامازيغ المصريين فى شالى كما يحبون ان يطلقون عليها او واحة سيوة و ما حولها فى صورة المجتمع القبلى اى على هيئة قبيلة .. لها مضارب و لها شيخ قبيلة .. و تنتقل مشيخة القبيلة عند الامازيغ المصريين بالوراثة خاصة اذا كان المرشح لمشيخة القبيلة متعلما و على قدر من الثقافة ..


الأمازيغ كلهم مسلمين و متمسكين بدينهم رغم دخولهم فى الاسلام متأخرين عن بقية مصر و هم كما عرفتهم من اكثر الشعوب التى رأيتها دماثة فى الأخلاق و هدوءا و انغلاقا على انفسهم محبين و مرحبين بالغريب رغم فقرهم النسبى .. يتحدثون العربية و يتمسكون بلغتهم الأصلية الأمازيغية .. و دائما يلازمهم الشعور بالغربة و الضعف فى مجتمع لا يعترف بهم و فى نفس الوقت لا يسمح لهم الا بأن ينصهروا فيه متخلين عن تراثهم و لغتهم و تقاليدهم .. و حكومة تصمهم بازدواج الولاء .. و كلهم او اغلبهم فلاحين حرفتهم الزراعة .. و لكن اهمال الحكومة لهم جعلهم يقعون فريسة لأبشع استغلال و تطوقهم الاستدانة من اجل الزراعة بشكل مستمر ..

و الامازيغ ليسوا قوما ضعفاء اصلا و انما هم محاربين اشداء منذ فجر التاريخ .. حيث ان تاريخهم فى مصر يمتد الى ماقبل العصر الرومانى و ربما قبل ذلك بكثير .. و يقال انهم اسرة حاكمة فى مصر القديمة عندما زحفوا على وادى النيل و احتلوا الوجه البحرى .. و اصبحوا جزءاً اصيلا من حضارة مصر (ناقشته فى مقال قديم عن الحضارة المصرية)

و قد شكل الامازيغ المصريين جبهة صد عظيمة فى تاريخ مصر ضد هجمات قبائل عربان الصحراء .. و كان لديهم حصنا واقيا لا يقهر .. و هو مدينة شالى القديمة و حصنها الذى لاتزال آثاره باقية حتى الآن ..
و هو يقع فى بداية دروب صحراوية يمتد احدها الى القاهرة بمسافة حوالى 600 كيلومترا تقريبا مارا بالواحات البحرية و الصحراء البيضاء و منخفض القطارة فى حين يمتد الأخر الى محافظة المنيا بمسافة مقاربة و كان هذين الدربين من دروب التجارة و الهجرات القديمة .. و لكنهما مغلقين الآن و هناك مشروع لمد طريق الى واحة سيوة عبر هذا الدرب .. و هو يمثل اى المشروع رعبا لا ينام لا ليلا ولا نهارا لأهل سيوة .. لأننى كما قلت انهم قوم منغلقين و يحيون على سجيتهم او على الفطرة .. و يشعرون بأن المدنية التى تأتى عبر هذا الطريق سوف تلتهم ما تمسكوا به عبر الاف السنين .. و قد بدأت تتسرب اليهم بعض شركات استثمارية بدأت تنشب مخالبها هناك .. و كأنهم لم يكتفوا بما دمروه (الهباشون و اسمهم الحركى المستثمرون) فى المدن الجديدة ليتحولوا الى سيوة و يدمروها هى الأخرى .. و من يدرى فربما هذه الشركات هى غطاء لعمليات دفن نفايا الدول الصناعية فى هذه المنطقة الهادئة و البعيدة كل البعد عن المدنية و الحضارة ..


اللغة الامازيغية و تنطق هكذا
Tamazighet ..


هى اللغة السائدة بين هذا الشعب الموزع كما قلت من قرب حدود مصر الغربية و حتى سواحل الاطلنطى .. و تختلف هذه اللغة بين كل قبيلة و اخرى حسب البلد الذى تعيش فيه .. فنرى الامازيغية فى مصر قد استكملت ما نقص منها من مصطلحات بمصطلحات مصرية فى حين ان امازيغ الجزائر مثلا استكملوها بمصطلحات فرنسية اما سكان الصحراء على سواحل الاطلنطى فقد استكملوها بمصطلحات اسبانية او برتغالية .. فمن السهل ان تعرف ان قابلت احد الامازيغ و تحدث امامك بلغته ان تعرف فى اية دولة يعيش و ذلك من المصطلحات التى ينطقها سواء كانت مصرية او ليبية او فرنسية او اسبانية ..
و ليس فيها اى وجه شبه من اللغة العربية و ان كانت قريبة الشبه فى النطق من اللغة المصرية القديمة و يبدو انها طعمت بعض الشئ بالرومانية القديمة ايضا .. فيما نراه من حروفها التى تقارب حروف اللغة الرومانية القديمة او اللاتينية القديمة شكلا و نطقا ..
و من امثالهم الشعبية

لّي مي تاسد ئد ن تسلت مي تاسد دفرس

بمعنى الذى لا يأتى مع العروس لا يأتى بعدها
و يقابله فى مصر بعد العيد ما ينفتلش كحك

ؤكان ئزير يتسحلا، ژيط ول يمتش دي درار

بمعنى لو كان الشيح دواء ما ماتت الحمير فى الجبل
و يقابله المثل العربى
لو كان الزعتر دوا ماماتت حمير سيلين

بعض المفردات الجميلة فى الـ
Tamazighet و هذا مما لايزال محفوظا فى الذاكرة
أمازيغين بمعنى الأمازيغية

تامازيغيت بمعنى اللغة الامازيغية

أمان بمعنى الماء
ژيط بمعنى الجحش ( صغير الحمار)
يازيط بمعنى الديك
تامازيرت /تامورت بمعنى الأرض
تيسيت بمعنى المرآة
تامطوط بمعنى المرأة
ارگاز بمعنى الرجل
تيخسى / تيلى بمعنى النعجة (انثى الخروف)
أغْيول بمعنى الحمار ( مهداة الى قاموس الفيشاوى )
إعرِنك بمعنى نظف او اغسل يدك (اللهجةالمصرية)

ولا مثنى فى الامازيغية فكل ما يزيد عن المفرد فهو جمع .. هناك حروف خاصة عند عمل
Transliteration مثل الكاف الفارسية و المنقوطة بثلاث نقاط و بنقطتين ( گ) .. و الزاى المنقوطة بثلاث نقاط ( ژ ) و هى زاى تنطق مفخمة (قريبة من نطق حرف الظاء فى العامية المصرية) و تغير المعنى ان نطقت عادية كحرف الزاى العادى ..

مثل كلمة ئژرى و تعنى البصر و كلمة ئزرى و تعنى الشيح (نبات) و ليس هناك مد فى الامازيغية و انما حروف الواو و الياء و الالف انما هم كحروف التشكيل او ينطقون بصفتهم .. و من النطق الصعب ضم الفتحة و الضمة فى منطوق واحد .. .. و لأنى لست عالم فى اللغات فلن اخوض او احاول الخوض فى هذا البحر العميق .. و انما هى لمحة عابرة عن هذه اللغة .. التى يتكلم بها عرق من الاعراق فى بلادنا و لا نعرف عنها شيئا ..

مشكلة الامازيغ و خاصة فى المغرب العربى ..


كما قدمت فإن الامازيغ يعانون تهميشا كبيرا و اهمالا لثقافتهم و حضارتهم من وجهة نظرهم .. و مشكلتهم هى مشكلة العرقيات فى كل مكان .. و مؤخرا فى الجزائر تخصص لهم نشرة اخبارية باللغة و فى المغرب انشاء معهد لدراسات الثقافة الامازيغية ..


اكتشافى


و هو اكتشاف شخصى طبعا و قد جاء متأخر جدا – ان سكان سيوة ليسوا منتمين الى عرب مطروح كما يتصور البعض و كما كنت اتصور انا .. جاء بمحض الصدفة .. و بعد ان كنت اتعامل معهم لفترة ليست بالقصيرة ..

كنت اشاهد بالصدفة ايضا نشرة الاخبار فى محطة تليفزيون الجزائر و قال مقدم النشرة ان الاخبار باللغة الامازيغية تحين بعد قليل ..

لأول مرة كنت اسمع هذا الاسم و لأول مرة اعرف ان هناك لغة اخرى غير لهجة الجزائريين العربية يتم تداولها هناك و تخصص لها نشرة اخبارية .. فقررت ان اشاهد و استمع الى هذه النشرة باللغة الامازيغية ولو من باب الفضول المعرفى ..

بدأت النشرة .. و لم تكن الالفاظ غريبة علىّ .. انها نفس الجرس الذى ينطق بيه الحاج احمد و يوسف الخطاط و يحيى و كل من اعرفهم فى سيوة .. عدا ان هذه اللغة بها بعض الكلمات الفرنسية ..

انتظرت موعد لقائى بهم بفارغ الصبر .. و عند اللقاء سألتهم عن اسم لغتهم فنظروا لبعضهم بابتسامة و صمتوا .. و الصمت عند اهل سيوة من السمات المعروفة .. فكيرا ما يصمتون و يتوقفون عن الكلام دون سبب معروف ..

الآن فقط عرفت هذا السبب .. ما يخفونه فى صدورهم من حنين و حب و تمسك بتراثهم و احتضانهم له .. و منعه عن الغريب حتى لا يجرحه او يهينه لجهل به او استخفاف .. او استعلاء اجوف .. او يحاول تنميطه !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!
قررت ان استفزهم فأطلقت عليهم ماكان بمثابة قنبلة فى وجههم ..

انتم مالكومش علاقة بقبائل مطروح .. انتم امازيغ .. صح ؟

ازدادت الابتسامة على وجه الحاج احمد و لمع فى عينه بريق الفخر و الزهو فبادرنى بسؤاله ..
و عرفت ازاى .. ؟

فبدأت احكى لهم ما شاهدته على محطة تليفزيون الجزائر ..

و لم ينقطع الحوار بل استمر فى حلقات اسمع منهم و اعرف تاريخهم و لغتهم و الفارق بين هذه اللغة و لغات القبائل الاخرى المنتشرة عبر بلاد شمال افريقيا .. و ما اكتشفته ان بين الاحد عشرة قبيلة قبائل لا تتكلم العربية و لغتها هى الامازيغية فقط كالقبيلة التى تعيش فى واحة ام الصغير شمال سيوة و هى قبيلة لا يزيد اعدادها او ينقصوا منذ مئات السنين عن حوالى 340 نسمة ..

ما اخفوه عنى و عرفته فيما بعد عند قرائتى لاستكمال المسموع بالموثق كتابيا .. ان لغتهم كما قالوا لغة غير مكتوبة .. و لكن اتضح انها مكتوبة و لها ابجديتها و قوانينها فى النحو و الصرف الى آخره .. و لهم شعراء و موسيقيين و مغنيين و ادباء .. لهم انتاج فنى و ادبى يطوف العالم كله ..

و نحن هنا نعيش ولا نعرف من الذى يسكن فى البيت المجاور ..


فطناس .. الغروب .. يتسابق اليه السياح مصريين و اجانب كل يوم لتصوير مشاهد الغروب الساحرة فى فطناس



عين كليوباترا من العيون الكثيرة فى سيوة النظيفة القديمة و التى لم تنضب ولم يقل عطاؤها عبر الزمان
و كما هى الاسكندرية .. معشوقتى الكبرى .. سيوة اقتسمت المكانة معها فى نفسى .. بجمالها و صفاء روح اهلها الامازيغ .. و صدقهم .. و دماثة اخلاقهم .. و كرمهم بعيد المدى .. فرغم انتهاء عملى هناك منذ اعوام الا انه مازالت افضل و افخر انواع البلح و التمر السيوى تصلنى سنويا فى موسم التمر من كل عام .. و مع كل هدية مرسلة يأتينى عبق التاريخ الذى يربطنى و يشدنى بأوتاد الفخر الى هذه البلد .. التى اكتشف غناها الحضارى الى ابعد الحدود  -

- 2 -

فى هذا الجزء سنشاهد لمحات عن سيوة ارض الامازيغ المصريين ..
ثلاثة سيارات انطلقت على الطريق الاسفلتى الحديث الذى لم يكن سوى مدق ترابى حتى منتصف الثمانينات .. انطلقنا نشق الصحراء جنوب مدينة مطروح فى اتجاهنا الى سيوة .. و كانت المرة الأولى التى ازور فيها هذه المدينة و رغم طول الطريق الا انى عادة لا امل القيادة على الطرق الجديدة التى اسير فيها لأول مرة ..
الصحراء شاسعة تمتد على الجانبين و كأن لا نهاية لها .. كنا فى شهر اغسطس و مع ذلك لم يكن الجو حارا كعادته فى هذا الوقت من السنة .. او ان انخفاض نسبة الرطوبة مع التقدم فى الطريق هو الذى جعل الاحساس بالحرارة يقل ..
الطريق 300 كيلومتر من مدينة مرسى مطروح حتى سيوة .. عند الكيلو 150 توقفنا عند استراحة متواضعة .. للراحة و تناول بعض المشروبات .. هذه المنطقة تسمى بير النُص .. نسبة الى البئر الموجود و هذه النقطة هى منتصف الطريق تماما ..
الرحلة قبل الطريق الاسفلتى كانت تستغرق يوما كاملا .. 24 ساعة و هذه المنطقة كانت هامة جدا .. فهى النقطة الوحيدة التى يوجد فيها ماء و نقطة اسعاف ولا شئ قبل او بعد من مرسى مطروح الى سيوة ..
كثيرا ما كان المسافرون الاغراب يضلوا الطريق و كان يجب ابلاغ الموجود فى الجهة الاخرى بموعد خروجه حتى اذا ما تأخر يتم الاتصال ببير النص هل عبروه ام لم يعبروه بعد .. حتى تخرج فرق البحث اما من سيوة او من مطروح ..
بعد توقف حوالى نصف ساعة .. تحركنا لاستكمال الرحلة الى سيوة ..
كانت المرة الاولى التى اجد فيها لافتات تحذر من وجود حيوانات تعبر الطريق .. كما رأيتها فى اوروبا تحذر من عبور الغزلان او الموس و هو نوع من الوعول .. فى هذه المرة كانت الجِمال ..
و فعلا فى هذه المنطقة شاهدت اعدادا غفيرة من الجِمال لم اشاهدها من قبل واقفة ترعى على جانبى الطريق ..
نبهنى احد المرافقين ان اهدئ سرعة السيارة لأن الجِمال عادة عند قدوم السيارة تلجأ الى قائدها او الى اقوى جمل فى القطيع فقد تعبر الطريق فجأة متجهة اليه .. و فعلا ما ان هدأت السرعة حتى اندفع جزء من القطيع منضما الى بقيته على الجهة الاخرى من الطريق .. و طبعا فى حالة صدم جمل بالسيارة و خاصة اذا كانت مسرعة فيه دمار للأثنين معا الجمل و السيارة ..
اقتربنا من واحدة سيوة عندما ابتدأنا الانحدار فى طريق هابط مشابه تماما لطريق نويبع الطريق يشق الجبل هابطا فى انحدار مستمر ..
مسيرة ثلاثمائة كيلومتر فى الصحراء ثم نشق الجبل هابطين و فجأة توقفت بالسيارة و توقفت خلفى بقية السيارات ..
مشهد لم اره من قبل .. خرجت من السيارة و انا اسبح الله و قدرته .. فأمامى تمتد فى الاسفل على البعد مساحات النخيل الشاسعة وسط محيط من الرمال الصفراء .. و ثلاثة بحيرات مائية واسعة تضيف الزرقة الى اللونين الاصفر و الآخضر .. منظر فى منتهى الجمال وسط الصحراء و على مشارف مايسمى بحر الرمال الآعظم ..
كنا واقفين عند نهاية الطريق الجبلى .. و اللوحة امامى بشكل النخيل و المياه و الرمال كأننى واقف امام منظر منحوت على جدران المقابر الفرعونية .. البيوت تقاسيم الارض .. حتى شكل النخيل و توزيعه .. و كأننى عدت الى الخلف اربعة الاف سنة ..
نظرت خلفى ثم عدت لأنظر الى سيوة .. و احسست اننى واقف عند بوابة الزمن فى بداية رحلة الى الماضى البعيد .. الى قلب التاريخ ..
عدنا الى السيارات و فى هذه المرة كنا نقود بسرعة منخفضة فقد كنت اريد ان تثبت هذه اللوحة فى مخيلتى و تطبع .. فلن اراها بهذا الشكل مرة اخرى مهما تكررت الرحلة ..
تقدمنا و دخلنا الواحة .. يمكن للزائر بسهولة ان يميز بين اهل الواحة و بين الغرباء .. حتى و ان كانت الملابس قد تتشابه .. الا ان هناك شيئ آخر يجعلك تشعر فورا من هو الاصيل و من هو الغريب .. شئ لا استطيع التعبير عنه و لكنه احساس .. مجرد احساس ..

دخلنا الى وسط البلدة لأجد امامى سيوة القديمة .. او شالى كما عرفت فيما بعد .. اثار مدينة و حصن شالى او واحة عمون كما يسميها الامازيغ الليبيون .. من هنا و قبل اكثر من 2600 سنة زحف اهل الواحة ليحتلوا الدلتا و يكون لهم فى ثبت التاريخ فترة تولوا فيها حكم مصر ..

تتكون سيوة من اربعة واحات رئيسية .. واحة سيوة او شالى .. واحة ام الصغير .. واحة اغورمى و واحة عبد الهادى و هى ملاصقة تقريبا لخط الحدود مع ليبيا و قريبة جدا من واحة يغبوب الليبية حاليا المصرية سابقا ..
يعيش فى سيوة 22 الف نسمة موزعين على احدى عشرة قبيلة منهم قبيلة واحدة هى القبيلة المستعربة .. اى التى يتحدث افرادها العربية اما الباقين فلا يتحدثون الا اللغة الأصلية لهم و هى اللغة الامازيغية ..
اصل كلمة امازيغ من اصل مزغ و يقابله فى العربية اباء اى المنيع او الشديد .. و الابىّ أمازيغ و الجمع ئمازيغن و هو الاسم الذى يطلق على هذا الشعب ..
كما قلت فى الجزء الاول ان الأمازيغ اصولهم هى قبائل البربر .. و الواقع ان البربر و الأمازيغ هم شعب واحد .. منتشر ليس فقط فى الدول العربية فى افريقيا و لكنه يمتد حسب الدراسات المختلفة عبر العالم حتى يصل الى قارة امريكا نفسها ..

توجهنا الى احدى المقاهى فى وسط البلدة .. لننتظر واحد من اهل الواحة ليكون مرشدنا الى وجهتنا هناك ..

الرجال يتحركون اما سيرا او راكبين الدراجات او السيارات البيك اب او الحمير .. اما النساء الكبار او المتزوجات فترتدى عباءة تغطيها بالكامل و هى غير شفافة و ترى من خلال فتحة التقاء دفتى العباءة و عادة تراهن راكبات عربات الكارو التى يجرها الحمير و يقودها رجل او شاب من الاسرة .. اما الشابات قبل سن الزواج و هو سن صغير عادة لا يزيد عن الخامسة عشر و ربما اقل فيتحركن خارج بيوتهن بدون هذه العباءة ..
اقترب منا ثلاثة رجال .. شابين و رجل فى الخمسينات من العمر ..كانوا هم من ننتظرهم و رحبوا بنا .. كيف عرفوا بوصولنا و نحن لم نبعث لهم احد .. تذكرت عندما قال لى احد المرافقين انهم سيعرفون عند وصولنا .. وفعلا لم تمض عشرة دقائق حتى جاؤا رافقونا لنستكمل الطريق الى وجهتنا تجاه جبل الدكرور .. فى الطريق كنت ارى بعض الرجال فى الحقول .. الحقل عبارة عن احواض كالتى شاهدناها فى الاثار المصرية القديمة نفس التقسيم و نفس الشكل حتى الفلاحين فى الارض بظهرهم المفرود و و وقفتهم و هو يعملون فى الارض .. طريقة امساكهم بالفأس و كأنهم خرجوا لتوهم عن اللوحات الجدراية المصرية القديمة .. حتى الفأس نفسها ليست كتلك التى نعرفها .. فشكلها مثل الموجودة فى المتحف المصرى ..
الطريق تحف به اشجار الزيتون بارتفاعات اكثر من 10 او 15 مترا .. الاشجار غريبة ليست كتلك الشجيرات التى اعرفها .. النخيل تراه و كأنه ينظر اليك و كأن كل نخلة تتكلم مع شقيقاتها و يشيرون اليك من بعيد .. فى نداء صامت تجد نفسك منجذبا اليهم و كأنهم عرائس البحر فى الاساطير اليونانية القديمة .. و لكن هنا لا يأخذن حياتك بل يعطينك حياة و شعورا لم و لن تشعر به خارج هذه الجنة .. النباتات تحتضن الطرق الضيقة بالكاد تتسع لسيارتين و الجوانب كلها اشجار .. كلما تذكرت تلك الصحراء الرابضة حولها .. تعجبت من هذه الجنة الوارفة التى نحن فيها ..
بعد جولة طويلة فى المدينة اتجهنا الى منزل هذا الرجل .. المنازل كلها مبنية من خامة محلية و هى القورشيف او الكورشيف او الخورشيف .. كما يطلق عليه اهل البلد .. و حقيقة هو لا ينطق لا كاف ولا قاف ولا خاء و انما خليط من الثلاث حروف معا ..
و القورشيف عبارة عن رمال اختلطت بالملح الناتج من مياه الصرف الزراعى المتراكم عبر الاف السنوات و الذى كون هذه البحيرات الواسعة الثلاث .. فتكون ما يشبه الحجر الرملى .. قاسى و خشن و لكنه لا يقاوم المياه ..
البيوت مازالت محتفظة بالتصميم القديم الذى يعود الى اخر مراحل تطور العمارة المصرية القديمة .. فقد كان معروفا ان قدماء المصريين و ان كانوا يبنون معابدهم من الحجارة الا ان بيوتهم كانت تبنى اما من الطين او من الرمل المخلوط بالملح و الجير .. ( الطوف كما يطلق عليه فى الدلتا )

عندما تدخل البيت لا تجد اى نوع من الاثاث و انما شلت او حشيات تصطف الى جوار الحائط فى ضلع او اثنين او ثلاث .. و بمجرد دخولك .. يأتى ابناء الرجل لتحية الزوار و اذا كانت هناك نساء فتدخل الضيفات الى حيث نساء البيت لمقابلتهن و التعرف عليهن ان كانت العلاقة تسمح بهذا ..
من غير المسموح ان يجالس الصغار الكبار .. بل عمل الصغار هو خدمة الكبار .. بمنتهى الهدوء و بدون تذمر و بابتسامة هادئة هى سمة الجميع فى هذه الواحة ..
رغم ان البيئة زراعية و رملية .. الا ان نظافة الشوارع ملحوظة فى هذه الواحة .. فلا تجد قمامة عند نواصى الشوارع او اوراق يطيرها الهواء .. او بقايا نباتات او مزروعات ..
لاحظت ان الحمير هناك عفية جدا .. و عيونها تلمع و الصحة بادية عليهم .. فسألت الحاج احمد وهو السيوى الذى قابلنا فكان رده .. ان طعام الحمير هو التمر .. فلابد ان تكون صحته ممتازة .. تعجبت .. هل يطعمون الحمير التمر الذى يعيشون منه و من ثمنه .. فقال لى التمر الذى يسقط من النخيل لا يأكلوه و لا يصلح للبيع و انما يقدموه اكل للحمير و ختم كلامه بأن اغلى حمار فى السوق المصرية هو الحمار السيوى .. !!

  

أعلى الصفحة