فكرية   سياسية   ثقافية   تصدر عن رابطة كاوا للثقافة الكردية


هزرى  راميارى  رۆشنبيرى  بنكـﻪى كاوﻩى رۆشنبيرى كوردى دﻩرى دﻩكات


Hizrî  Ramyarî  Çandî Kombenda KAWA bo çanda Kurdî derdexe

المشرف العام: صلاح بدر الدين               هيئة التحرير: د. إبراهيم محمود     عبد الخالق سرسام     فدان آدم               مستشارو التحرير: د.محمد عزيز ظاظا     فردة جميل باشا     فؤاد ﮔﻤـو               الإخراج الفني: عصام حجي طاهر                                                                 ﭼﺎوديـ̌ـرى ﮔـشتى: سـﻪلاح بـﻪدرﻩدين          دﻩستى نوسـﻪران: د. ئيبراهيم مـﻪحمود     عـﻪبدولخالق سـﻪرسام     ﭬـﻪدان ئادﻩم          شيرﻩتكارى نوسـﻪران: د. محـﻪمـﻪد عـﻪزيز زازا     فـﻪرده جـﻪميل ﭘـاشا     فوئاد ﮔﻪمو          دﻩرهيـ̌ـنانا هونـﻪرى: عيسام حـﻪجى تاهر                                             Çavdêrê Giştî: Selah Bedredîn          Desteka Nivîskara: Dr. Birahîm Mehmûd     Ebdilxaliq Sersam     Vedan Adem          Şîretkarên Nivîskara: Dr. Mihamed Ezîz Zaza     Ferde Cemîl Paşa     Foad Gemo          Derhênana Hunarî: Îsam Hecî Taher                                      

الـعدد 13
السنةاالثانية

 2/2006

 
مقالات العدد الثالث عشر
 المقالات باللغة:
    العربية
    كوردى
    Kurdî
 أرشيف المجلة
 خطوط / Tîp
 Ali_K_Traditional
 ملاحظات/Hajêhebun
 الاتصال / contact
binkeykawa@hevgirtin.net
    ت / 2242843
    ت / 2240441
 الاشتراك/ Abune

ملفات على طاولة الحكومة الموحدة   هيئة التحرير
نظام " الرجل المريض " على حافة الهاوية   صلاح بدر الدين
فى أصول المسألة القبطية   جمال صدقي
موسكو واستراتجيتها الدولية المعطلة   لوران روكير
اعادة بناء او تفكيك؟ عشر اضاءات على المجتمع الروسي   كارين كليمان و دينيز بايار
سيادة الدول وسيادة الشعوب   نوري البالا
ستون عاما من (حظر) نشر الاسلحة النووية   جورج لوغيلت
إنتفاضة بهدينان أول ثورة كردية ضــد الاســتعمار البريـطانـي   د. فرست مرعي

إنتفاضة بهدينان أول ثورة كردية
ضــد الاســتعمار البريـطانـي

د. فرست مرعي

تعتبر انتفاضة منطقة بهدينان ضد قوات الاحتلال البريطانية إحدى المآثر الخالدة التي سطرها الثوار الكرد في سنة 1919م دفاعاً عن كردستان بعد غزوها من قبل القوات البريطانية، وهي في حقيقة الأمر أحدى الإرهاصات التي مهدت فيما بعد للثورة العراقية الكبرى (ثورة العشرين) .
هذه الانتفاضة لم تلقِ عناية الباحثين والمؤرخين العراقيين بعربهم وكردهم. إلا ما كان من أمر المؤرخ عبدالمنعم الغلامي الذي بحث فيها بشكل تفصيلي في كتابه (ثورتنا في شمال العراق) ومؤرخين آخرين أشاروا إليها بصورة مقتضبة في معرض حديثهم عن ثورة العشرين. وإن كان قادة الاحتلال البريطاني تطرقوا إليها في مذكراتهم وتقاريرهم بصورة تخدم وجهة نظر بلادهم المستعمرة، بإعتبارها مجرد تمرد قبلي أو انتفاضة عشائرية قادها الزعماء القبليون الكرد نتيجة الأضرار التي لحقت بمصالحهم من جراء السيطرة البريطانية على العراق وكردستان.
ومما يجدر ذكره أن الباحثين قد ركزوا بحثهم على الانتفاضة التي قادها الشيخ محمود الحفيد البرزنجي ضد قوات الاحتلال البريطاني إعتباراً من 29 مايس 1919، بإعتبارها من الحوادث المهمة التي لو قدر لها النجاح لتغير الوضع في عموم الساحة الكردستانية، ولكن هذا لا يدعو إلى إلغاء البحث في الانتفاضات والثورات التي عمت الاجزاء الأخرى من كردستان وتسليط الضوء عليها لمعرفة الدوافع الحقيقية لقيامها بعيداً عن وجهة النظر البريطانية ومما ترتب عليها من نتائج كان لها الأثر الكبير فيما بعد في تغيير الخارطة الجيوسياسية للدولتين الجارتين تركيا والعراق، وفشل مشروع الوطن القومي المسيحي (الآثوري) في كردستان من جهة أخرى.
في 31 تشرين الأول عام 1918 عقدت هدنة مودرس بين الدولة العثمانية المغلوبة على أمرها وبريطانية العظمى المستعمرة، وكانت القوات البريطانية آنذاك تقف في جنوب مدينة الموصل عند مشارف مدينة القيارة ولكنها تحركت شمالاً واستغلت الهدنة حيث احتلت الموصل مركز الولاية العثمانية واستقرت فيها الفرقة البريطانية 18 التي يقودها الجنرال جورج ماكمن، وتم تعيين الكولونيل ليجمن حاكماً سياسياً عليها، وأرسلت مفارز عسكرية بريطانية الى شمال العراق الى الاقضية الكردية دهوك – زاخو – العمادية، حيث إستقرت قوة بريطانية في قرية بيباد الواقعة على بعد خمسة كيلومترات غرب العمادية .

 إنتفاضة عشيرة الكويان في زاخو :
تعتبر ثورة زاخو التي قام بها أبناء عشيرة الكويان اول انتفاضة قام بها الكرد ضد الاستعمار البريطاني، فبعد احتلال الإنكليز لمدينة زاخو عيّن الكولونيل ليجمن في الأول من كانون الأول 1918 الكابتن ووكر معاوناً للحاكم السياسي ثم استبدله بعد ثلاثة وعشرين يوماً بالكابتن بيرسون
A. C. Person .
وكانت عشيرة الكويان تعيش في شمال مدينة زاخو في المنطقة المتنازع عليها بين الدولة العثمانية وسلطات الاحتلال البريطانية، وهي في الحقيقة نصف متنقلة ويبلغ تعدادها أكثر من ألفي أسرة وعدد مسلحيها أكثر من 1000، أضف الى ذلك أنها عشيرة على جانب كبير من القوة والمهابة بحكم عيشها في منطقة ذات تضاريس جبلية وعرة جداً، وهي من أشد القبائل توحشاً على حد تعبير الحاكم العام البريطاني آرثر ويلسون .
وتعيش ضمن قبيلة الكويان وفي أطرافها المحاذية لزاخو وشرناح بعض القرى الكردية التي جل سكانها من النصارى الكلدان مثل شرانش نصارى – سناط – بيجو – ماركو، وكان موقف هؤلاء النصارى ميالاً بطبيعة الحال الى البريطانيين لذا غدا موقفهم محرجاً لجيرانهم الأكراد والأتراك، يستشف هذا من قول السكرتيرة الشرقية البريطانية غير ترودبيل: " وفي الزاوية الشمالية الغربية من ولاية الموصل أخذت الدعاية الميالة للأتراك والمناوئة للمسيحين تصيب نجاحاً لا يستهان به، وغدا موقف القرى المسيحية بين زاخو وجزيرة ابن عمر موقفاً فيه غير قليل من الخطر، وقد وقعت بالفعل حركات معادية للمسيحين " .
ومن جهة اخرى فقد أساء بيرسون التصرف في معاملة سكان زاخو بأتباعه سياسة بريطانيا المشهورة (فرق تسد) بين الطوائف المختلفة من مسلمين ونصارى ويهود، لاسيما أنه عين أحد الضباط الانكليز، وهو يهودي، مهندساً للأشغال العامة وهو بدوره عين أحد النصارى الآثوريين مراقباً عاماً لتسوية الطرق، وكان هذا الاثنان يحابيان أبناء جلدتهما وقد أناط بهما الكثير من الأعمال التي تدر عليها الربح في الوقت الذي كانت المنطقة تعاني من بطالة واسعة وقلة المواد الغذائية بسبب الحرب العالمية الأولى واستنزاف جميع خيرات المنطقة في المجهود الحربي العثماني .
لذا أخذت الحالة تسير في زاخو من سيئ إلى أسوأ وشمل التذمر جميع أبناء المنطقة مما حدا برئيس عشيرة شرناخ عبد الرحمن آغا إلى إرسال الرسائل الى أهالي زاخو لحثهم على القيام بعمل مشترك لطرد البريطانيين من المنطقة، وقد وقعت إحدى الرسائل في قبضة السلطات البريطانية في 19 آذار 1919.
وكانت السلطات البريطانية قد حصلت على معلومات تفيد بأن هناك إشاعة من جانب الأتراك (العثمانيين) بين قبائل الكويان وشرناخ، ترمي في النهاية إلى إخراج البريطانيين من المنطقة التي سيطروا عليها، وإن النصارى المحليين يمكن أن يتعرضوا إلى مضايقات نظير ترحيبهم بالمحتلين البريطانيين .
وكانت عشيرة الكويان قد ناشدت الكابتن بيرسون في أواخر آذار 1919 بزيارة ديارهم لأدخالها ضمن القبائل الواقعة في دائرة الاحتلال البريطاني لكي يمكن تزويدها بالحبوب في الوقت الذي كانت العشيرة تعاني من ضائقة اقتصادية بسبب سنوات الحرب العالمية الاولى .
لذا حاول بيرسون زيارة قبيلة الكويان للاطلاع عن كثب على ما يجول في خاطرهم واتخاذ أنجع الوسائل للحيلولة دون قيامهم بما يعكر صفو الأمن من وجهة النظر البريطانية، ومن جهة أخرى اتخاذ الترتيبات اللازمة لسلامة وأمن القرى النصرانية الموجودة في تلك المنطقة .
وفي نهاية شهر آذار 1919 خرج الكابتن بيرسون من زاخو يرافقه عدد من موظفي الادارة وعدد من أفراد الشبان للحراسة، وبعد مروره بعدد من قرى عشيرة السندي وصل الى قرية كرور الكويانية حيث إجتمع مع حسودينو أحد زعما الكويان المشهورين وطلب منه دعم سياستهم، ولكنه رفض هذا العرض مما جعل بيرسون يترك القرية، وبدوره أرسل حسودينو خمسة عشر رجلاً يتعقبون بيرسون، حيث أدركوه بعد أن عبر قرية ماركه في طريقه الى قرية بيجو حيث قتلوه في 4 نيسان دون أن يصيبوا أحد من مرافقيه وحراسه بأذى مكتفين بتجريدهم من أسلحتهم ودوابهم وأمتعتهم فقط، مما حدا بالمسؤولين البريطانيين الى الاعتقاد بأن هؤلاء كانت لهم اليد في وضع خطة القتل .
وإنتقاماً لحادثة مقتل الكابتن بيرسون قصفت خمس طائرات بريطانية قرى الكويان بتوجيه وإشراف الكولونيل ليجمن دون أن تصيب أحداً من الثوار بسوء .
وكان لهذه العملية صدىً واسع بين أفراد العشائر ففي 3مايس هاجم الثوار الكويان بقيادة نعمت شريف ويوسف لاوند مخفر شرانش واحتلوه بعد أن أسروا 50 دركياً وسمح لهم بالذهاب الى زاخو بعد ان جردوهم من اسلحتهم. وفي 5 مايس هاجمت جماعة من عشيرة القشوري (الكوجرية) قافلة عسكرية بريطانية واستولت على مالديها من سلاح ومال، وقد إعترفت القيادة البريطانية بعجزها عن إتخاذ الوسائل اللازمة لوقف الثوار عند حدهم، بقول ويلسون بهذا الصدد قائلاً: "إن عدم إتخاذ إجراء تأديبي من قبل السلطات العسكرية يوم ذاك كان شيئاً واقعياً ولبضعة أشهر كاملة، إذ لم تكن الممرات قد سدت بالثلوج حسب، بل كانت الفرقة الثانية (الثامنة عشرة) تشكو من قلة بغال النقل فيها، ولما كان التسريح قد بدأ فإنها كانت تجد أن من العسير المحافظة على مفارزها المتعددة على مستوى القوة المطلوبة .
وقد اختلفت المصادر البريطانية التي أشارت الى حادثة القتل فيما بينها فتذكر غيرترودبيل قائلةً: " وفي خلال الأسبوع الأول من نيسان توجه الكابتن بيرسون معاون الحاكم السياسي في زاخو لزيارة هذه القبيلة (الكويان) بقصد إعادة الأمن الى نصابه ولاتخاذ ما يلزم من الترتيبات لسلامة القرى المسيحية في المستقبل .وبينما كان في صحبته بعض رؤساء الكويان بالفعل هوجم في كمين في الطريق وقتل بخيانة وفي ظروف لم تبقِ شكـاً لأحد باشتراك من كان في صحبته في الجريمة ". أما ويلسون فيعلق على هذه الحادثة بشكل مغاير قائلاً: ((… وكان أن قبل الدعوة، وصحبه مراسل كردي وقلة من الكويان وأتخذ السبيل لمقابلة رؤساء الكويان في موطنهم وقبل أن يبلغ مكان اللقاء خرج له كمين وأجهز عليه …)) .
ومهما يكن من أمر فإن حادثة قتل بيرسون كانت الشرارة الأولى التي أوقدتها عشيرة الكويان في منطقة زاخو وانتقلت جذوتها فيما بعد إلى سائر بقاع كردستان العراق، وكانت إيذاناً للمحتل البريطاني بأن غزو ديار الكرد ثمنه غالٍ، الأمر الذي جعل المصادر البريطانية تتكلم عن هذه العشيرة الكردية وكأن التوحش والبربرية ديدنـها ! لذا فلاعجب أن امتدت الإجراءات البريطانية إلى محاربة أفرادها حيثما وجدوا سواءً بسجنهم ونفيهم أو مقاطعتهم اقتصاديا .

 انتفاضة العمادية في 14تموز1919 :
في 2 تشرين الثاني 1918 وصل الكولونيل ليجمن الى مدينة الموصل، وطلب من الجنرال علي احسان قائد الجيش العثماني السادس المتمركز في العراق، ان يلتقي بالجنرال السروليام مارشال القائد العام للقوات البريطانية في العراق. وقد طلب الجنرال مارشال بضرورة جلاء العثمانيين عن ولاية الموصل عملا بالمادتين 7، 16 من هدنة مندروس، حيث تنص المادة السابعة على ان: ((للحلفاء الحق باحتلال اية نقطة ستراتيجية في حالة ظهور موقف يهدد أمن الحلفاء ))، ونصت المادة السادسة عشرة على: ((تسليم كل الحاميات في الحجاز وعسير واليمن وسوريا وميسوبوتاميا (بلاد ما بين النهرين العراق) لأقرب قائد حليف)) .
وقد اختلف القائدان البريطاني والعثماني حول تفسير حدود ميسوبوتاميا (Mesopotamia) وهل تشمل ولاية الموصل ام لا، وفي النهاية رفض الجنرال علي احسان اخلاء الولاية ومدينة الموصل.
في الوقت نفسه تسلم الجنرال كوب امرا باحتلال مدينة الموصل ـ فاحتلها ـوذكر الجنرال إحسان بمواد الهدنة وأعتبره مسؤولا عن الأضرار التي قد تنجم عن رفضه إخلاء المدينة، أما الجنرال إحسان فقد أتصل بحكومته بواسطة التلغراف طالباً تعليماتها وتسلم أمراً ـ بالانسحاب من المدينة وتسليمها للبريطانيين ـ وفي 5 تشرين الثاني انسحب القائد العثماني وترك وكيلاً للوالي في الموصل لإدارتها.
بتاريخ 12 تشرين الثاني 1918 طلب الكولونيل ليجمن من نائب الوالي العثماني بضرورة مغادرته الموصل، وقد غادرها في 13 تشرين الثاني.
بعد سيطرة القوات البريطانية على مدينة الموصل، أرسلت قيادة الفرقه الثامنة عشرة قسماً من قطعاتها باتجاه الشمال حيث ألأقضية الكردية، زاخوـ دهوك ـ العمادية تمهيداً لانشاء معسكرات يمكن الانطلاق منها الى مناطق العمق الكردي لأفشال أية محاولة لتعكير صفو الأمن والنظام من قبل العشائر الكردية إستناداً الى المزاعم البريطانية لمعرفتهم الاكيدة بأن المسلمين الكرد شعب جبلي شديد المراس من الصعب إنقياده لإجنبي محتل لايمت لدينه بصلة .
تمركزت اولى المفارز البريطانية في منطقة سواره توكه الواقعة في منتصف الطريق العام بين دهوك والعمادية، كما إستقرت قوة اخرى في قرية بيباد الواقعة على الطريق العام على بعد خمسة كيلومترات غربي العمادية، وسكان هذه القرية من النصارى ـ طائفة النساطرة ـ التياريين، وسبق أن عمل فيها المنصر الاسكتلندي دبليو ويكرام ضمن إرسالية تابعة للكنيسة الانكليكانية.
بعد ان تولى الكولونيل ليجمن إدارة منطقة الموصل، عين في كل قضاء تابع له حاكماً ينوب عنه في إدارة القضاء، اطلق عليه معاون الحاكم السياسي.
من جانب آخر أثارت خسارة الدولة العثمانية للحرب، واحتلال القوات البريطانية لاجزاء من كردستان ـ مشاعر الكرد الدينية ـ فلأول مرة في تاريخهم الطويل في ظل الخلافة الاسلامية بدءاً من الراشدين وإنتهاءً بالعثمانيين يرون قوة أجنبية كافرة تدنس حرمة أراضيهم، وتطبق قوانين وضعية مخالفة لشريعة الله، وتحابي اليهود والنصارى على حساب الاكثرية الكردية المسلمة. كل هذا جعل الكرد يعيشون أياماً سوداء كالحة تنتابها الحيرة والقلق على مصيرهم، فولائهم بعد أن كان للاسلام، أصبح رهين الكفر، وكرامتهم التي كانت مرفوعة تحت راية الخلافة العثمانية انتهكت.
من أجل هذا بادر زعماء منطقة بهدينان من رؤوساء العشائر ووجهاء المدن الى أجراء إتصالات سرية فيما بينهم لوضع حد للسياسة البريطانية وإجهاض محاولاتها بشأن إنشاء وطن قومي للنساطرة (الآثوريين)، وإستقر الرأي على ضرورة القيام بإنتفاضة لأخراج المحتل الكافر وتصفية رموزه، وإسكات أصوات النصارى الذين طالما تغنوا بهذا اليوم .
وبطبيعة الحال فإن إتخاذ مثل هذا الاجراء الخطير لابد وأن ينعكس سلباً على المجتمع الكردي برمته، والذي هو بحاجة ملحة لمعرفة رأي الشريعة الاسلامية التي كانت جذوتها لم تزل متوقدة، وإستخلاص الفتوى الخاصة بذلك التي تبيح القيام بالجهاد ضد المحتل الكافر وإخراجه من ديار الاسلام (كردستان) .
والمطلع على حياة الكرد الدينية والثقافية والاجتماعية خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين يرى بوضوح سيادة شبكة واسعة من الطرق الصوفية التي لعبت دوراً لايستهان به في الدعوة والارشاد والفتوى، إضافة الى أن الكثير من قادة الثورات والانتفاضات الكردية كانوا مرشدين أو شيوخ لهذه الطرق في آن واحد.
وفي منطقة بهدينان موضوع بحثنا هناك طريقتان صوفيتان سائدتان:
الاولى: الطريقة النقشبندية التي دخلت الى كردستان قادمة من الهند عن طريق الشيخ مولانا خالد الجاف النقشبندي، وأثناء إحدى رحلاته في منطقة بهدينان في ثلاثينات القرن التاسع عشر أخذ الطريقة منه كل من الشيخ طه النهري والشيخ طاهر العمادي، أما الشيخ طه النهري فقد سلم الخلافة الى الشيخ محمد بن الشيخ عبدالله الملقب بتاج الدين الذي أسس أول تكية نقشبندية في قرية بارزان سنة 1825 ميلادية بعد إنشاء الشيخ طاهر العمادي لتكية بامرني، وقد أفسحت تكية بارزان المجال لتكية بامرني في تزعم الطريقة النقشبندية في منطقة بهدينان بعد إنشغالها بالعمل السياسي لصالح الحركة الكردية خاصة بعد إعدام السلطات العثمانية للشيخ عبد السلام الثاني البارزاني في مدينة الموصل في 14/12/1914 حيث خلفه أخوه الشيخ احمد البارزاني الذي قاد إحدى الحركات الكردية ضد النظام الملكي العراقي إبتداءً من سنة 1931.
الثانية :الطريقة القادرية التي تنسب الى الشيخ عبدالقادر الكيلاني، وقد تزعم هذه الطريقة في منطقة بهدينان عائلة الشيخ نور الدين البريفكاني، ومقر هذه الطريقة يقع في قرية بريفكان التابعة لعشيرة المزوري والواقعة على بعد عشرين كيلومتر شرقي مدينة دهوك، ويدعي شيوخ هذه الطريقة أن نسلهم يرجع الى الحسين بن علي رضي الله عنهما.
ومما يجدر ذكره أن زعماء الكرد في منطقة بهدينان كانوا يتوجسون خوفاً من مخططات الدول الغربية وروسيا في إنشاء وطن قومي للنسطوريين (الآثوريين) في منطقة بهدينان تكون مدينة العمادية عاصمة لها، بناءً على الوعود التي منحت للبطريرك النسطوري مار شمعون لقاء تعاونه مع روسيا وفيما بعد مع بريطانيا ضد الدولة العثمانية أثناء الحرب العالمية الاولى .
وكان هؤلاء الزعماء الكردعلى دراية بالخسائر الكبيرة في الارواح والممتلكات التي مني بها الكرد المسلمين أثناء الغزو الروسي لكردستان في سنوات 1914-1917 بالتعاون مع الميليشيات النسطورية بقيادة البطريرك مار شمعون والارمنية بقيادة أنترانيك، حيث وصلت طلائع القوات الروسية ومعها قوات المرتزقة من النساطرة والارمن الى مناطق خانقين وراوندوز وبهدينان في إتجاهات مختلفة تبعاً لسير الهجوم، حتى أن مدينة مثل راوندوز التي كانت تعج بالحركة والحياة وكانت إلى قبل فترة قصيرة عاصمة لأحدى أهم الامارات الكردية (السورانية) في التاريخ الحديث – غدت خراباً بلقعاً – فقد قضى الروس بالتعاون مع المرتزقة من النساطرة والارمن على كل من هب ودب في المدينة من الذكور بمافيهم الاطفال والشيوخ، أما النساء فقد ألقين بأنفسهن الى الوادي السحيق الذي يقع أسفل المدينة خوفاً من العار، ولازال الجيل الماضي من أبناء الكرد يتذكرون المآسي والنكبات التي حلت بهم على أيدي الروس والتي أصبحت مضرباً للأمثال كما في القول الكردي(خونه تو ئؤرسي)، (خونه تو مسقوفي) وترجمتها بالعربية (هل أنت روسي، هل أنت موسكوي).
من أجل هذا ومشاركة لأخوانهم ثوار عشيرة الكويان في إنتفاظتهم البطولية في زاخو، بادر زعماء منطقة بهدينان من رؤساء العشائر والبطون ووجهاء المدن الى اجراء إتصالات سرية فيما بينهم والتشاور مع الشيخ بهاء الدين محمد أفندي النقشبندي بإعتباره أكبر زعيم ديني للكرد البهدينانيين لوضع حد لسياسة الاحتلال البريطانية، حيث وافق سماحته على القيام بهذه الانتفاضة داعياً الله أن يبارك جهودهم في النصر على الاعداء ولاعبرة لبعض المزاعم التي كانت تدعي بأن الشيخ لم يقطع شعرة معاوية مع السلطات البريطانية، وإنما أرغم على التعاون مع زعماء الانتفاضة حفاظاً على سمعته وسمعة عائلته الدينية .
في 28 حزيران 1918م عين الكولونيل ليجمن الحاكم السياسي للموصل الكابتن ويلي D.willey معاونا للحاكم السياسي في العمادية وارسل معه الكابتن ماكدونالد H.M acdonald و العريف تروب R. troap لتشكيل درك محلي للمحافظة على الامن، وكان الكابتن ويلي قد اكتسب خبرة عملية اثناء اشتغاله في مناطق علي الغربي وبدرة ومندلي وقصر شيرين، غير انه كان يتصف بالشدة والتعجرف في تصرفاته بعكس ابناء جنسه الذين يغلب عليهم البرود ! واتبع السياسية البريطانية المعروفة (فرق تسد) ففضل طائفة من الناس على اخرى، حيث كانت العمادية تعاني من صراع عائلتين على النفوذ والسلطة، اولاهما:عائلة الحاج شعبان محمد آغا مدير البلدية التي تدين بالولاء لشيوخ بامرني النقشبنديين وتتبعها عائلتا المفتي والمدرس، وثانيهما :عائلة الحاج عبد العزيز آغا الموالية لشيوخ بارزان النقشبنديين بحكم المصاهرة العائلية بين الجانبين .
ومما يجدر ذكره ان القوات البريطانية كانت تجري الترتيبات اللازمة لاعادة اللاجئيين النساطرة(الاثوريين) الى ديارهم في منطقة هكاري الواقعة شمال العمادية، لذا كانت الادارة البريطانية قد وضعت نصب عينيها تحقيق هذا الهدف، فمدت اداراتها الى هذه المنطقة النائية .
ومن جهة اخرى كانت لديها خطة لاسكان بعض هؤلاء النساطرة في وادي سبنة الخصيب الواقع جوار العمادية والممتد غربا حتى نهر الخابور احد روافد نهر دجلة والمملوء بسكانه الكرد لحماية الخطوط البريطانية المتقدمة بوجه الاكراد والاتراك المناوئين لها،والوقوف بوجه اية تحركات عسكرية يقوم بها الاخرون لافشال السيطرة البريطانية وازاحتها عن منطقة كردستان، اضافة الى ان مشكلة الحدود ما بين بريطانية المنتدبة على ولاية الموصل والدولة العثمانية كانت قد بدت للعيان .
لذا حاول البريطانيون ارجاع هؤلاء اللاجئين الى هكاري داخل كردستان العثمانية (كردستان تركيا حالياً) لكي تبقى منطقة نفوذ بريطانية بحكم ولاء النساطرة للبريطانيين طيلة ايام الحرب العالمية الاولى ضد الدولة العثمانية , وتذكر غير ترود بيل السكرتيرة الشرقية في دار المعتمد البريطاني في بغداد بهذا الصدد قائلة :(( على ان ارجاع الاف الاسر الى منطقة جبلية وعرة تقع خارج نطاق سيطرتنا لم يكن واجبا يسهل الاطلاع به، وما تقدم الربيع حتى اتضح بأن عودة اللاجئين (النساطرة المسيحيين) يجب ان يؤجل)). لذا قررت قيادة الفرقة الثامنة عشرة سحب المفرزة البريطانية المتمركزة في قرية بيباد الى منطقة سوارة توكه الواقعة على بعد 25 كم جنوب غرب العمادية، وعلى اثرها طرح أرنولد ويلسون الحاكم الملكي العام في العراق ضرورة سحب الكابتن ويلي من العمادية، ولكن ليجمن عارضه، يقول ويلسون معلقا على هذا الرفض: ... ((الححت على سحب الحكام السياسيين لقد كان كل من ليجمن وويلي على يقين من أن ذلك لن تعقبه نتائج شؤم وعارضا مقترحي بشدة)) .
وقد لعب نصارى منطقة العمادية دورا لايستهان به في اثارة مشاعر المسلمين الكرد بلغت نظرهم الى ان: ((يومهم (يوم النصارى) قد بزغ فجره في الاخير)) .
اما الكولونيل ليجمن فقد حصل على تقارير من جواسيسه النصارى وبعض الاكراد المتعاونين معه !!! تفيد بأن في نية العشائر الكردية القيام بانتفاضة ضد قوات الاحتلال البريطانية، لذا استدعى على عجل بعض زعماء الكرد لمقابلته في الموصل، وقد استجاب بعضهم فحضروا الى الموصل،منهم: الحاج رشيد بك البرواري،الحاج شعبان محمد آغا العمادي، الحاج عبد اللطيف عبد العزيز آغا العمادي، فقابلوه في اليوم الاول من وصولهم مجتمعين، ثم قابلوا سكرتيره داود يوسفاني وهو نصراني موصلي من طائفة الكلدان .
وفي اليوم الثاني استدعى ليجمن كل واحد من هؤلاء الزعماء على إنفراد، وتباحث معه بخصوص استتباب الامن والنظام في منطقة بهدينان، واخيرا هددهم بالويل والثبور ان قاموا بأية عملية من شأنها تعكير الامن والنظام من وجهة النظر البريطانية، مما زاد في حقد هؤلاء الزعماء على المحتل البريطاني، ثم اذن لهم بالانصراف والرجوع الى اماكنهم ما عدا الحاج عبد اللطيف آغا العمادي، فقد ابقاه في الموصل لمدة عشرة أيام ثم اذن له بالانصراف بعد ان استطاع نيل موافقته بعدم الوقوف مع الزعماء الاخرين إن ارادوا القيام باية حركة ضد المحتل البريطاني.
بعد ان وصل الحاج رشيد بك الى قريته ديرشيش الواقعة في منطقة برواري بالاعلى بعد خمسة وعشرين كيلو متر شمال غرب العمادية، حتى استدعاه الكابتن ويلي معاون الحاكم السياسي في العمادية لاعتقاله بناءً على الاوامر التي تلقاها من ليجمن، لكن البرواري فطن للامر واتخذ اقصى تدابير الحيطة والحذر بأن جاء الى العمادية يرافقه حوالي خمسمائة مسلح من رجال عشيرته، رابط زهاء ثلاثمائة منهم خارج سور العمادية، ودخل بقية المسلحين معه الى داخل المدينة، وامام هذا الموقف الذي لم يتوقعه ويلي والذي سرعان ما دب الخوف فيه استقبل الحاج رشيد بك بكل احترام، ثم أذن له بالرجوع، اما البرواري فقد استغل الفرصة وعقد اجتماعاً سرياً مع الحاج شعبان آغا العمادي واخرين من وجهاء العمادية تقرر فيه القيام بالانتفاضة، وتحديد منتصف ليلة الرابع عشر من تموز 1919م الموافق 16 من شوال 1337هـ كنقطة البداية لبدأ الانتفاضة، مع إستبقاء بعض مسلحي عشيرته للمشاركة فيها.
وتنفيذا لهذا القرار هاجم عبد الله سعد الله ابن أخ الحاج شعبان ومعه بعض مجاهدي العمادية مقر معاون الحاكم السياسي حيث تم قتل الكابتن ويلي على يد عبد الله سعد الله، كماهاجم بعض الثوار مقر السراي البريطاني حيث قتلوا الكابتن ماكدونالد والعريف تروب والطبيب واثنين من كتاب التلغراف وهما هنديان، إضافة الى قتل ثلاثة وعشرين شخصا من حرس الشبانة (الدرك الذين كان البريطانيون قد عينوهم لحماية مقر السراي البريطاني).
وفي صباح اليوم الثاني هاجمت قوة من الثوار تقدر بمائتي مسلح بقيادة الثائر عبد الله سعد الله قاتل ويلي المعسكر البريطاني في قرية بيباد، ودام الاشتباك حوالي سبع ساعات، مما اضطر القوات البريطانية الى التراجع نحو المعسكر البريطاني الخلفي في سوارة توكه بعد ان خسروا حوالي 30 ـ 50 قتيلا .
في الوقت نفسه هاجمت مجموعة اخرى من المقاتلين من عشيرتي الدوسكي بقيادة طاهر علي الهمزاني، والكلي بقيادة الحاج صادق برو المعسكر البريطاني في سواره توكه واستمر الاشتباك لمدة خمس ساعات الحقت خلالها خسائر غير قليلة في الجانب البريطاني .
وعندما وصلت اخبار هذه الانتفاضة الى ليجمن اسرع بالتوجه من الموصل الى سواره توكه، للأشراف على الموقف المتدهور للقوات البريطانية، واستدعى الحاج عبد اللطيف اغا الذي استماله الى جانبه قبل فترة قليلة والذي لم يشارك في الانتفاضة، واستمع منه الى تفاصيل الاحداث، ثم رجع الى الموصل حيث بدأ بعملية تحشيد للقطعات البريطانية تمهيد لاحتلال منطقة العمادية وتوجيه ضربة قاصمة للمجاهدين الكرد كانت اولى ثمارها قصفت الطائرات البريطانية قصبة بامرني بما فيها التكية النقشبندية التي تهدم الجزء الاكبر منها.

 الهجوم البريطاني المضاد على بامـرني
أشارت المصادر البريطانية الى الانتفاضة التي قام بها الثوار الكرد ضد قوات الغزو البريطانية في منطقة العمادية حيث يذكر سر ارنلدتي.ويلسون الحاكم العسكري البريطاني في العراق مانصه: ((…كانت العمادية مسرحاً للثأر القائم بين مواطنين إثنين متقدمين، وكل منهما يدعمه أتباعه، وقام وايلي بتجريد سلاح الطرفين، وتسلم منهم ضمانات نقدية لحفظ حسن السلوك في قابل الايام. ووجد الرؤساء البلديون المعروفون بالأغوات، وهم فزعون، أننا، على غرار سياستنا المقررة المطبقة في الاقسام الأخرى من الاراضي المحتلة، نمنح سلفات الحبوب الى المزارعين مباشرة. إن الدرك جرى تشكيله من السكان وبأمرة ضباط أكراد أكفاء على حظ من التعليم جيء بهم من مناطق أخرى. لقد وجد الرؤساء أن إمتيازاتهم التي أساءوا التصرف بها مهددة، وأدركوا أنه لن يمر وقت طويل إلا وينجوا المزارعين من وضع ليس بينه وبين العبودية من فارق، ويتعلموا التطلع الى الحكومة لا اليهم. لقد التهبت أدمغتهم بالدعايات التي يروجها الاتراك في الخارج (العثمانيين) القائلة بأن النصارى سيعلون على الاكراد علواً كـبيراً .لقد عاش الكردي سواء أكان من المزارعين أو من الرحال منذ قرون لا تعد ولا تحصى في وديان قاصية، وهو ذو روح غريبة، لكنه يجلس في الظلام ويطبق عليه الشقاء. إن زعماء الاكراد يرون في الحكومة مرادفاً للطغيان، ويحسبون القانون ظلماً والنظام قيداً. وإن الذي يجدون فيه لذاذة هو مايضاد الحرية الطاغية. إنهم يرون في طرائق حكمنا مؤامرة عميقة تضع على عواتقهم عبء طغيان خارجي يناهض أعرافهم ودينهم وهي في الأزمنة الاعتيادية لاتعني بنظرهم كثيراً))، وعندما يتطرق الى حادثة مقتل الكابتن ويلي ورفاقه نراه يذكر الحدث بصورة تراجيدية وكأنه يقرأ في أحد أسفار الانجيل قائلاً: ((وأختلى الأغوات يتشاورون، لقد عميت منهم القلوب فلم يستبينوا أفضل من العنف نهجاً. وفي ليلة الـ14 تموز دخلوا المدينة وتسوروا جدران بيت الحاكم السياسي العالية، وشقوا طريقهم الى غرفة ليقتلوا كلاً من ويلي وماكدونالد وتروب. وجاء المجندون الاحراس (الشبانة) بأرواحهم ثمناً لولائهم. إذ أصيب كل واحد منهم وخر صريعاً))
فيما كانت وجهة نظر غير ترود بيل السكرتيرة الشرقية في دار المعتمد البريطاني تخالف بعض الشيء، وجهة النظر السابقة سواء في الدوافع أو المشتركين إضافة الى توقيت العملية حيث تقول بهذا الصدد: ((… فوجد المتبرمون أن فرصتهم قد سنحت وفي ليلة 15 تموز قبل رؤساء الفئات الموجودة في البلدة إنضمام الشبانة اليهم، بالتواطؤ الضمني مع القبائل، وقتلوا الجماعة الموجودة بأجمعها. ولم تكن هناك قضية عدم محبة شخصية في الموضوع. لأن الكابتن ويلي كان ضابطاً ذا خبرة ولم يكن قد مضى على تعيينه في العمادية إلا زمن قليل، بينما كان الملازم ماكدونالد غيوراً وكفوءاً ومحبوباً من الجميع. وإنما كان هذا الهيجان عبارة عن مظاهرة ضد السلطة البريطانية، كما كان يصطبغ بصبغة مناوئة للمسيحيين بصورة جازمة، لأن القرى المسيحية في منطقة العمادية أغير عليها غارات منتظمة. ومع أن الخسارة في الارواح كانت قليلة فقد أتلفت الحاصلات والأغنام وأخذت في كل مكان)) .
لذا كان لابد لبريطانيا وهي الامبراطورية التي لاتغيب عنها الشمس وقد خرجت منتصرة في الحرب العالمية الاولى، أن تتخذ الاجراءات الحازمة لأعادة الاحوال الى سابق عهدها، والإمساك بمقاليد الأمور في هذه المنطقة الجبلية النائية المليئة بالاضطرابات والقريبة من الحدود العثمانية وكي لاتفلت خيوط اللعبة من أيديها، وهي قد خططت منذ عقود بل من قرون أيام شركة الهند الشرقية للاستحواذ على هذه المنطقة الحيوية .
وهكذا بدأت الاوامر تصدر من قبل المقر البريطاني العام في بغداد الى الكولونيل ليجمن والى الجنرال سر جورج ماكمن قائد الفرقة الثامنة عشرة المتمركزة في الموصل للسيطرة على منطقة العمادية من جديد، وتلقين هؤلاء الخارجين عن القانون والنظام الدرس الذي يستحقونه .

 إحتلال قصبة بامـرني
وكان الكولونيل ليجمن بحكم أطلاعه على الموقف أثناء زيارته للمعسكر البريطاني المتقدم في منطقة سوارة توكه بعد الانتفاظة، ودراسته للتقارير التي كان جواسيسه من النصارى وبعض الكرد يرسلونها، خلص الى نتيجة مفادها، بأن منبع شرارة هذه الانتفاضات التي عمت منطقة بهدينان بدءاً من زاخو ومروراً بمنطقة الدوسكي وإنتهاءً بالعمادية: هي قصبة بامرني مقر الطريقة النقشبندية والمركز الاسلامي الرئيسي لكرد بهديان. وإن توجيه أية ضربة اليها من شأنها أن تضرب العصب الرئيسي للتخطيط والمقاومة من جهة، وتجعل رجال القبائل المنضوين تحت راية هذه الطريقة أو المؤيدين لها يخلدون الى الهدوء والى مزاولة اعمالهم الاعتيادية. ولكن خاب ظنهم فالعجرفة الاستعمارية ونشوة النصر أنستهم ولو إلى حين بأن المسلمين سرعان مايثورون ويلبون نداء الجهاد إذا ما انتهكت محارمهم أو دنست مقدساتهم (للأسف هذه الجذوة إنطفأت حالياً) .
وإستناداً الى المعطيات أعلاه فقد تحرك لواء بريطاني بقيادة الجنرال كاسلس الى منطقة سواره توكه، وأرسل لواء آخر بقيادة الجنرال وولدرج الى زاخو لدعم الهجوم البريطاني المتوقع على منطقة العمادية، كما تم سحب قسم من القوات البريطانية من بغداد الى منطقة الموصل لتعزيز الموقف، وأنيطت قيادة الهجوم على قصبة بامرني الى الجنرال نايتنكيل وبمشاركة الكولونيل ليجمن حيث أحاطت قواته المتكونة من جحفل لواء معزز بالمدفعية والرشاشات الثقيلة بقصبة بامرني في اليوم الاول من شهر آب 1919 تساندها سرب من القوة الجوية الملكية البريطانية، وموقع قصبة بامرني يقع في حضن جبل متينة المكتظ بالاشجار والبالغ إرتفاعه حوالي 2000متر فوق مستوى سطح البحر .
بدأت القوات البريطانية بأطلاق المدفعية على بامرني من جميع الجهات إضافة الى قصفها من الجو، ولما رأى الشيخ بهاء الدين النقشبندي أنه ليس باستطاعتهم الوقوف أمام هذه القوات المدعومة بالمدفعية والطيران، أمر أتباعه ومريديه الأخلاد الى السكينة لأنه لاطاقة لهم بهذه القوة الكبيرة وأسلحتهم لاتتجاوز البنادق الالمانية والانكليزية القديمة من نوع ماوتزر وغيرها .
ولكن بعض المقاتلين أمثال الشيخ رؤوف علاء الدين إبن أخ الشيخ بهاء الدين وآخرين من أهالي القصبة قاتلوا المحتل بضراوة، وعندما علموا بأن مقاومتهم لاتجدي نفعاً، ركزوا هجومهم على أحد المواقع من الجهة الشمالية للقصبة وتمكنوا من شق طريقهم بصعوبة نحو جبل متينة المشرف على القصبة بعد ان ضحوا بعدد من الشهداء .
ثم دخلت القوات البريطانية بامرني ونسفت داري الشيخ بهاء الدين وإبن أخيه السيد رؤوف علاء الدين بالديناميت من أساسه ووضعت أثاثهما في ساحة كبيرة حيث تم إحراقهما، كما نهب الجنود كميات كبيرة من الحلي الذهبية للنساء والليرات التركية. وكانت المدفعية قد هدمت جزءاً كبيراً من التكية النقشبندية (لاتزال آثار الهجوم ماثلة لحد الآن، لتعبر عما فعله الغزاة البريطانيون)، وتم إلقاء القبض على الشيخ بهاء الدين وعمره قد ناهز السبعين عاماً، وعلى أخيه الاكبر سناً الشيخ علاء الدين، كما القي القبض على إبن أخيه الشيخ محمود علاء الدين وعلى محمد إبن السيد رؤوف علاء الدين إضافة الى بعض الأتباع، حيث كبلوهم بالسلاسل الحديدية وتم إرسالهم مخفورين بحراسة خمس سيارات عسكرية إلى مدينة الموصل حيث اودعوا سجن النساء. أما الخسائر في الارواح فقد بلغت احد عشر شهيداً وعشرين جريحاً.

 صدى إعتقال زعماء الطريقة النقشبندية في بامـرني
أثارت عملية ضرب بامرني وإعتقال الشيخ بهاء الدين النقشبندي موجة من القلق والتأثر بين الكرد في بهدينان والعرب في مدينة الموصل، فقد تحرك الحاج رشيد بك البرواري والحاج طاهر الهمزاني الدوسكي على رأس أتباعهما لنجدة بامرني، إلا انهما وصلا بعد فوات الاوان. أما في مدينة الموصل فقد رفع فرع الموصل لجمعية العهد تقريراً مفصلاً الى المركز العام في دمشق جاء فيه ((… ولما علم أهالي الموصل بإعتقال الشيخ بهاء الدين أفندي وأقاربهم بهذه الصورة المؤلمة تألموا كثيراً وتكدرت منهم الخواطر بالنظر الى المنزلة الدينية التي يتمتع بها حضرته، وبعد مداولات وإتصالات بين بعض العلماء والكبراء والشبان على إختلاف في الميول الوطنية والمبادىء السياسية، وجد بعض العلماء الحاكم السياسي ليجمن في محله الرسمي للتوسط بإخلاء سبيل الشيخ ورفقائه من السجن وإبقائهم تحت النظارة في الموصل فيما إذا كان مايمنع إعادتهم الى مكانهم، ولكن الحاكم السياسي لما علم مقصدهم غضب غضباً شديداً وأخذ يصرخ ويتوعد، فانصرف من عنده العلماء خائبين .
ويؤكد هذا الانعكاس لاحداث منطقة بهدينان نفسه أكثر في جواب المركز العام لجمعية العهد على تقرير فرع الموصل التالي نصه: ((…وقد تأثرنا جداً من خصوص ضرب قرية بامرني وإعتقال أكابرها وأتباعهم، ومايقوم به الجيش المحتمل من مظالم وتعسفات، ولاشك أن هذا كله مايدعونا الى بذل كل مافي الامكان لتخليص بلادنا، كما يدعوكم الى التمسك بشدة في عروة الاتحاد التام والصبر والسكوت الى الوقت المرهون)) .
وإستمر الحال على هذا المنوال الى اليوم الاول من تشرين الاول 1919 حيث أفرج عن الشيخ علاء الدين النقشبندي ومحمد بن الشيخ رؤوف بن الشيخ علاء الدين وعن سائر الاتباع عدا الشيخ بهاء الدين والشيخ محمود بن الشيخ علاء الدين حيث تم تسفيرهما بتاريخ 27تشرين الاول 1919 الى بغداد واودعا في السجن .
وعلى أثر ذلك كتب معتمد جمعية العهد في الموصل خطاباً الى الشيخ سعيد أفندي النقشبندي البغدادي يرجوه فيه الاعتناء بالشيخ بهاء الدين ولما وصل هذا الخطاب الى الشيخ سعيد اهتم بالامر واتصل في الحال بويلسون الحاكم الملكي العام حيث تمكن من إقناعه بإخراجه من السجن مع إبن أخيه ليقيما في التكية النقشبندية الخالدية التي هي تحت إدارته، ثم سمحت حكومة الاحتلال البريطاني للشيخ بهاء الدين بالعودة الى بامرني في كانون الاول 1919.
ومن جانب آخر فقد تحرك رتل بريطاني باتجاه غرب بامرني حيث قرى عشيرة الدوسكي فرع الارتيسي، ولما علم أهالي هذه القرى بتقدم الرتل البريطاني تركوا قراهم والتجأوا الى الجانب الآخر من نهر الخابور (أحد فروع نهر دجلة) حيث قرى عشيرة الكلي، فما كان من القوات البريطانية إلا حرق بيوت قريتي همزان وباصي عن آخرها، خاصة بعد أن شاهدوا خيمة أحد الضباط البريطانيين الذي قتل في وقت سابق في مضيق قنتارة الواقع بين دهوك وسوارة توكة على يد الحاج طاهر الهمزاني الدوسكي منتصبة في قرية همزان .
وقد علق الحاكم الملكي العام في العراق ويلسون على هذه العملية بقوله: ((وفي اليوم الاول من آب أحاط الجنرال نايتنكيل لقرية برنورني (بامرني) واستولى على عدد كبير من البندقيات والقي القبض على بعض متقدمي الجانحين الى الشر والفساد، وأعقب ذلك القيام بحركات تأديب في الوديان المجاورة)).
ويبدو للباحث ان النص السابق الذي ورد في مذكرات الحاكم العام الملكي البريطاني في العراق ويلسون يثبت بجلاء عدم وجود تعاون أو تنسيق بين زعيم الطريقة النقشبندية في بهدينان الشيخ بهاء الدين محمد النقشبندي وبين سلطات الاحتلال البريطاني، وهذا بدوره ينفي المزاعم التي قالها بعض خصوم الشيخ وحبكوا حولها رواية فحواها: أثناء إجتماع الشيخ بهاء الدين مع زعماء ووجهاء بهدينان بشأن كيفية القيام بإنتفاضة شاملة لطرد القوات البريطانية من منطقة بهدينان، أرسل الشيخ أحد خواصه حاملاً رسالة منه الى الكولونيل ليجمن يؤكد فيها بأنه لايشاطر الزعماء الكرد مشاعرهم للقيام بالانتفاضة، وإنما أرغم على ذلك تحت ضغط المشاعر الاسلامية التي لاتقبل الاحتلال الاجنبي للديار الاسلامية، ولايستطيع معارضة هؤلاء حفاظاً على مركزه الديني والاجتماعي بين هؤلاء الناس، وإن احدى الكمائن التي بثها الثوار الكرد مابين بامرني ومنطقة سوارة توكه ألقت القبض على رسول الشيخ، ووجدت الرسالة بحوزته بعد التفتيش.
من جانب آخر فان هذا لاينفي وجود زعماء للطرق الصوفية في أنحاء مختلفة من الوطن الإسلامي أو في كردستان متعاونين مع المحتل الاجنبي، وأبرز مثال على ذلك زعماء الطريقة التيجانية في الجزائر اللذين تعاونوا مع المحتل الفرنسي، كما أن زعيم الطريقة السمانية في مصر (محمد ابراهيم الجمل) قام بجمع توقيعات أثناء الثورة المصرية الكبرى عام 1919 تطالب ببقاء الانكليز في مصـر، ولكن في مناطق أخرى وقف زعماء آخرون للطرق الصوفية أمثال الشيخ شامل النقشبندي الذي قاد حملة جهاد لفترة طويلة ضد الغزو الروسي لبلاده (الشيشان)، وهذا ينطبق على شيوخ الطريقة السنوسية الذين وقفوا وقفة الابطال لمقاتلة الاستعمارين الفرنسي جنوب الصحراء الكبرى والايطالي في شمال ليبيا، وحادثة إعدام الشيخ عمر المختار على يد الطليان عام 1931 أبرز مثال على ذلك.

 احتلال القوات البريطانية لمدينة العمادية
بعد إحتلال بامرني وإعتقال زعماء الطريقة النقشبندية، كان لابد للانكليز من إعادة السيطرة على مدينة العمادية التاريخية عاصمة الامارة البهدنيانية لعدة قرون خلت، والتي بقيت تدار من قبل المقاتلين الكرد لمدة 22يوماً .
بدأت القيادة البريطانية بتحشيد قوات إضافية في معسكر سواره توكه تمهيداً لاحتلال العمادية – عاصمة الانتفاضة – والاقتصاص من المقاتلين، حيث بدأت القوات التابعة للفرقة الثامنة عشرة بقوة جحفل لواء بالتقدم من معسكرها في سواره توكه قاصدة العمادية بحذر شديد خوفاً من كمائن المقاتلين المحتملة .
عندما وصلت الانباء الى زعماء المقاتلين في العمادية بالتقدم الانكليزي وضخامته، أرسلوا مفارز صغيرة من المقاتلين بغية إعاقة التقدم البريطاتي بعض الشيء حتى تسنح لهم الفرصة لاخلاء عوائلهم الى المناطق الآمنة خلف جبل متينة، حيث إستقر الرأي على إرسال العوائل الى قصبة جلي (جقورجة)الواقعة على الحدود العراقية التركية مقابل ناحية نيروه ريكان، أما الثوار بزعامة الحاج شعبان آغا العمادي فقد إنسحبوا الى منطقة برواري بالا للانضمام الى مجاهدي عشيرة البرواري تحت زعامة الحاج رشيد بك البرواري، فيما إستقرت فئة قليلة منهم في جبل سرعمادية المشرف على المنطقة لمراقبة الموقف والاتصال بقيادة المقاتلين في منطقة برواري بالا في حالة حدوث أي طاريء جديد.
في يوم 6 آب دخلت القوات البريطانية مدينة العمادية دون مقاومة من الاهالي، ونصبت رشاشاتها الثقيلة على بناية السراي، كما القت القبض على بعض رجال الدرك (الشبانة) من الكرد وأعدمت خمسة منهم بتهمة الخيانة وعدم مقاتلة المقاتلين، وزجت بآخرين في السجن. وتم تعيين الحاج عبد اللطيف آغا العمادي الذي سبق وتعاون معهم ولم يشترك في الانتفاضة حاكماً على العمادية وعبد الله شريف قاضياً عليها، وبقي هؤلاء في مراكزهم الى أن عينت الحكومة العراقية عبدالحميد عبدالحميد الموصلي قائمقاماً لقضاء العمادية في سنة 1922.
 النساطرة (الآثوريون) ودورهم في إخماد الانتفاضة الكردية
عندما بدأت القيادة البريطانية بالاجراءات اللازمة لأعادة السيطرة على منطقة العمادية، تم لأول مرة إلحاق فوج من النساطرة الذين تم تدريبهم في بعقوبة بعد نزوحهم اليها قادمين من منطقة أورمية الايرانية للقضاء على الانتفاضة الكردية على أساس أن هؤلاء المقاتلين النساطرة لايقلون عن الكرد شجاعةً وبسالةً ومعرفةً بالقتال في المضائق والدروب الجبلية وبإعتبارهم من سكنة منطقة هكاري في كردستان العثمانية ذات التضاريس الجبلية الوعرة جداً، ويذكر الضابط البريطاني الجنرال ماكمن بهذا الصدد قائلاً: ((إنهم مضاف ثمين جداً بالنسبة لقواتنا، وإنهم ند للاكراد في أساليبهم التعبوية الخاصة )).
وكان إشتراك هؤلاء النساطرة في القتال ضد الكرد قد أعاد الى الاذهان الصراع المرير الذي دار بين الجانبين لعدة عقود خلت بدءاً من ثورة بدرخان باشا عام 1843 وإنتهاءً بسنوات الحرب العالمية الاولى عندما كان النساطرة يقاتلون الى جانب الروس والبريطانيين ضد الدولة العثمانية وهم من رعاياها، حيث يذكر رئيس أساقفة كانتربري عن دور بريطانيا في دخول النساطرة الحرب العالمية الاولى ضد العثمانيين في كلمة له أمام مجلس اللوردات قائلاً: ((أيها السادة إسمحوا لي أن أطرح رأيي وبكل صراحة … لأننا نتعامل هنا مع مسألة تمس في صميم سمعة وشرف وبريطانيا … يقال أحياناً أن روسيا وليس بريطانيا هي التي إستدرجت الآشوريين (النساطرة) الى الاشتراك في الحرب الى جانب الحلفاء، وقد يكون هذا صحيحاً ولكن يجب أن لاننسى بأن ماعانوا من مصائب من جراء هذه الحرب هو بسبب إنضمامهم إلينا وتحالفهم معنا نحن الحلفاء )).
وهؤلاء النساطرة لم يدخلوا الحرب بجانب الحلفاء عبثاً وإنما علىأساس إنشاء كيان سياسي لهم -على أجزاء من كردستان - والدليل على ذلك مقتطفات من رسائل إثنين من الموظفين الرسميين في المنطقة أحدهما فرنسي والآخر روسي كانا يعملان مع الكابتن غريسـي الذي وعد النساطرة – بالاستقلال – مقابل إنضوائهم تحت راية الحلفاء. وفي كلامهما مايكفي لكشف الحقيقة ففي رسالة الدكتور (بول كوجول) رئيس الوحدة الطبية الفرنسية في القفقاس ورد مايلي: ((رداً على رسالتكم بتاريخ 18كانون الثاني 1934 فقد إحتفظت بنسخة مما دار في المؤتمر الذي أشرتم اليه ولكني لاأتذكر تاريخه بدقة. لقد عقد المؤتمر في أورمية (مدينة تقع في غرب ايران) في كانون الاول 1917 أو كانون الثاني 1918وكنت مدعواً إليه وإشتركت فيه كما اشترك فيه السيد نيكيتين نائب القنصل الروسي في أورميا وقد حضر الكابتن غريسي من وان (مدينة تقع في شرق تركيا) حيث مقر قيادة العمليات وبأمر من المخابرات البريطانية خصيصاً لتشجيع الآشوريين (النساطرة) للتحالف مع بريطانيا ومقاومة الأتراك (العثمانيين ). كما تعهد بأسم أنكلترا أن يقوم بتوفير المصاريف اللازمة لرواتب الجنود والضباط غير الرسميين. كما وعدهم باسم انكلترا بأنهم سيحصلون على الاستقلال عند إنتهاء الحرب)) .
وفيما يلي رسالة بازل نيكيتين القنصل الروسي في أورمية آنذاك والتي تؤكد صدق ماقاله الفرنسي بخصوص منح الاستقلال لهؤلاء النساطرة بعد الحرب مباشرةً. ((أنا اؤيد بأن الكابتن غريسي مندوب أرمينيا وكردستان وعضو البعثة العسكرية البريطانية والملحق بهيئة الاركان العامة للقفقاس. قدم من وان في أواخر سنة 1917 وعقد إجتماعاً في اورمية مع ممثلي الشعب الأشوري (النسطوري) وممثلي الدول الاجنبية في المنطقة، ودعا فيه الآشوريين الى حمل السلاح والانضمام الى جانب بريطانيا، كما وعدتهم بكل جديد ويشكل رسمي بالدعم السياسي والمالي من قبل حكومته أثناء الحرب وبعدها، وكنت ضمن من إستدعاهم الكابتن غريسي وقد حضرت بصفتي القنصل الروسي وقد تعهدنا أنا والممثل الاجنبي الآخر (الفرنسي) للممثلين الآشوريين بأنهم سيحصلون على إستقلالهم الذي إستحقوه عن جدارة على أرضهم (أرض كردستان) بعد الحرب في حالة لو حملوا السلاح مع الحلفاء ضد الاتراك )).
ولكن الاستعانة بهؤلاء النساطرة للقضاء على الانتفاضة الكردية، لاسيما وأن ديارهم الاصلية في منطقة هكاري لاتبعد إلا مسافة قليلة شمال منطقة العمادية بث الخوف والقلق في قلوب الزعماء الكرد لعدة إعتبارات أولهـا: الخوف من إستيطان النساطرة في منطقة العمادية وتهجير الكرد إلى منطقة أخرى، ومما يؤكد هذا القلق ماذكره المندوب السامي البريطاني في العراق بيرسي كوكس في الصفحة الثانية بعد المئة من تقريره حول إدارة العراق للفترة من تشرين الاول 1920الى آذار 1922 قائلاً:
((لقد طرحت العديد من الخطط لأسكان هؤلاء النساطرة، والخطة التي لاقت إستحساناً أكثر من غيرها كانت الخطة التي تقضي بإسكانهم ككتلة واحدة في منطقة العمادية والتي أيدها كل من السير أرنولد ويلسون (الحاكم الملكي البريطاني في العراق) والكولونيل ليجمن (الحاكم السياسي للموصل) .كما لاقت إستحسان أغلبية الشعب النسطوري، حيث كان الفوج النسطوري في منطقة كردستان قد قام بإخلاء معظم المنطقة تمهيداً لتوطين النساطرة، إلا أن الحكومة المحلية كانت عاجزة عن إتخاذ قرار حاسم بشأن المسألة حتى وقت جلاء القوات البريطانية من البلاد وعندها توقف العمل بالخطة المذكورة )).
وثانيها: أعاد الى أذهان الكرد الذكريات الاليمة لما لاقوه على أيدي القوات الروسية والميليشيات النصرانية المتجحفلة معها من نساطرة وأرمن من فضائع وكوارث يندى لها جبين الانسانية، ولم يتطرق اليها الباحثون والمؤرخون الأوربيون الذين يعتبرون الحيادية وطرائق المنهج العلمي إحدى أدواتهم للوصول الى الحقيقة، ولكنهم مع هذا أشاروا الى حوادث القتل التي أرتكبت بحق الأرمن من قبل الجنود العثمانيين ورجال القبائل الكردية نتيجة تعاون الارمن مع الروس خلال سنوات الحرب الاولى والتي بالغوا في حوادث القتل التي أصبحت مثار جدل بين المؤرخين والباحثين على نفس منوال قضية الابادة النازية التي تعرض لها اليهود على أيدي النازيين الالمان خلال سنوات الحرب العالمية الثانية حتى وصل الأمر بشخصيتين علميتين على مستوى عالٍ أولهما: أرنولد توينبي المؤرخ البريطاني الشهير الذي أكد حدوث مجزرة بحق الأرمن على أيدي الأتراك والأكراد ولكن ليس بهذه المبالغة التي أشاعتها مراكز الدراسات والجامعات الغربية إضافة الى وسائل الاعلام. وثانيهما: المفكر الفرنسي المسلم رجاء غارودي الذي نفى في كتابه الذائع الصيت (الاساطير الاسرائيلية) قتل عدة ملايين من اليهود على يد النازيين، واتهم على أثرها بمعاداة السامية حيث قدم للمحاكمة تحت ضغط اللوبي اليهودي في فرنسا .
ولكن المؤرخين والباحثين الكرد من ذوي الاتجاه العلماني بشتى فصائله من قوميين وليبراليين وإشتراكيين، بدلاً من أن يدافعوا عن تراث أمتهم الكردية المظلومة أصلاً، ذهبوا الى أن هذه المجازر التي أرتكبت بحق الارمن جاءت إثر تغرير السلطات التركية (العثمانية) للاقطاعيين الكرد من أغوات وبكوات، إضافة إلى إدخال العامل الاسلامي وكيف أن علماء الأسلام آنذاك جهاراً نهاراً بأن قتل هؤلاء النصارى اللذين ساندوا الكفار الروس والانكليز ضد دولة الخلافة العثمانية الاسلامية ممايثيب الله عليهم ويدخلهم الجنة، ولم يكن يدور بخلدهم أو – أنهم تناسوا متعمدين – أن نجاح الغزو الروسي في الحرب العالمية الاولى بالتعاون مع النصارى من الارمن والنساطرة كان كفيلاً بإنشاء كيان سياسي واحد أو اثنين لهؤلاء النصارى الذي كان سيلغي وإلى الابد أسم كردستان تركيا أو كردستان الشمالية التي تعد الآن الجزء الاكبر من كردستان برمتها، ومازال الارمن إلى حد كتابة هذه المقالة ينفون وجود كردستان في تركيا ويعتبرونه جزءاً لايتجزأ من أرمينيا الكبرى حلمهم المنشود، وينبغي لمن يريد الدليل مراجعة الخرائط والوثائق الارمنية سواءً في الجمهورية الارمينية الملاصقة لكردستان تركيا أو في الدول الغربية وماأكثرها، إضافة الى الخرائط التي وضعها رجال الدين النصارى لمنطقة كردستان تحت إسم آشورستان - كلدانستان أو خريطة الكنيسة الشرقية .
وبمراجعة بسيطة للتراث الشعبي الكردي من أغاني وحكايات يلاحظ المراقب أنهم يطلقون على طائفة من النصارى (فقط النساطرة) إسم فه له ره شك(النصراني الاسود) لكثرة مالاقوه على أيديهم من حوادث القتل والسلب والنهب، تذكرنا بمافعله حزب الكتائب اللبناني وأنصاره بالمسلمين اللبنانيين والفلسطينيين في مخيمات تل الزعتر وصبرا وشاتيلا.
وقد يرد سؤال لماذا ؟ التذكير بهذه الوقائع التاريخية , وقد مضى زمانها، وهذه قد تزيد نار الحقد بين الكرد والنصارى وليس من مصلحة الكرد حالياً إثارة مثل هذه المواضيع الجانبية ! وهم محاطون بالاعداء من كل جانب، وللبرهنة على صحة ماسبق وإتطباقها على الوضع الحالي للمسألة الكردية برمتها سواءً في العراق أو الدول الأخرى التي يتواجد فيها الكرد، يذكر الباحث دليلين إثنين فقط أحدهما من التاريخ القديم والآخر من التاريخ المعاصر.
يقول أحد الكتاب السريان في كتاب (تقويم قديم للكنيسة النسطورية) تحقيق المطران عزيز النجم، الصفحة 13 مانصه: ((…حسب رأي بعض المؤرخين الشرقيين يقولون يسمى كلدانستان وحسب رأي إبن الحجري وإبن الصليبي وبيت إيشوع وأبو فرج (رجال دين نصارى) يقولون إنها كلدانستان لاكردستان لأن أهالي الجبل جميعهم كانوا من شيعة الكلدانيين القدماء قبل المسيح(عليه السلام) وفي زماننا هذا بدلوا الكلدان في الكرد وإلى الآن يقولون كردستان وهذا غلط …)).
فيما يقول ق. ب. ماتفييف (مؤرخ روسي من أصل نسطوري إيراني) في كتابه الآشوريون والمسألة الآشورية، ترجمة ح. د. أ. المطبوع في دمشق سنة 1989 مانصه:
((… بيد أنه من أهم مسائل جدول أعمال المؤتمرات الآشورية العالمية تبقى مسألة تأسيس الدولة الآشورية، بالرغم من أنه لايوجد بهذا الصدد لدى قادة المؤتمرات وجهة نظر واحدة محددة. فيطلب المكسيمالون المغالون (المتطرفون) تأسيس دولة آشور على الاراضي الواقعة في شمال العراق (كردستان). بينما يريد المعتدلون دولة آشورية ذات حكم ذاتي على مثال الحكم الذاتي الكردي ضمن الحكومة العراقية. ويعتبر كلاهما مهمة تأسيس الدولة الآشورية أمر واقعي ويأمل الطرفان تحقيق ذلك في غضون القرن الجاري )).
وأترك التعليق على هذين النصين للقارىء الحصيف .
 معركة مضيق مزيركا
كان لابد لسلطات الاحتلال البريطاني بعد ان اعادت احتلالها لمدينة العمادية، ان تتفرغ للمجاهدين الذين انسحبوا الى منطقة برواري بالا خلف جبل متينة لئلا تتصل انتفاضتهم بانتفاضة منطقة زاخو التي يقوم بها مجاهدو عشيرتي الكويان والكلي، منذ ايام مقتل الكابتن بيرسون معاون الحاكم السياسي لزاخو .
وعلى هذا الاساس حشدت القيادة العسكرية البريطانية قوة كبيرة تقدر بجحفل لواء مزود بمدفعية جبلية مدعما بفوج نسطوري لايقل عدد مقاتليه عن 2000 رجل .
وبالقاء نظرة على طوبوغرافية المنطقة يتبين ان اقرب الطرق الى منطقة برواري بالا من العمادية يمكن الوصول اليها عن طريق مضيق مزيركا، وهو ممر صخري قديم كان الطريق التاريخي الذي يربط بين العمادية عاصمة امارة بهدينان ومدينة جولميرك الواقعة الان في كردستان تركيا كعاصمة للامارة الهكارية، حيث يبدا من مصيف السولاف صعودا ومرورا بكلي مزيركا حتى ينتهي صعودا بقمة سر عمادية (رأس العمادية) وهو مصيف لاهالي العمادية حيث يشيدون فيه صيفا (كه برات ـ عرائش )، وفيما بعد اتخذته القيادة البريطانية كمعسكر صيفي للقوات البريطانية اثناء اجراء التمارين السنوية، كما اتخذته الطائفة النسطورية مقرا لها اثناء التمرد الشهير لهم في صيف عام 1933.
ولم تكن عيون المقاتلين غافلة عما يعمله الانكليز، حيث وصلتهم معلومات في الحال بأنه في نية الانكليز التقدم الى منطقة برواري بالا عن طريق السولاف - كلي مزيركا- سرعمادية، ثم ينحدرون الى منطقة برواري بالا للأقتصاص منهم .
لذا سرعان ما توافد زعماء الاتنفاضة الى قمة سرعمادية مع اتباعهم لمسكها والحيلولة دون وصول القوات البريطانية اليها، وتم عقد اجتماع طاريء في الحال، تلاه توزيع المهمات القتالية بين المقاتلين عل الشكل التالي:
الجهة اليمنى من سر عمادية انيطت بمجاهدي عشيرة البرواري بزعامة مصطفى بك اخ الحاج رشيد بك وتكليف مجاهدي عشيرة الدوسكي بقيادة الحاج طاهر الهمزاني بمسك الجانب الايسر من الجبل المشرف على وادي قرية بوطيا الواقعة خلف المعسكر البريطاني في قرية بيباد، فيما كانت الجبهة الوسطى والمشرفة على طريق المضيق من نصيب مجاهدي العمادية التي يقودهم الحاج شعبان اغا العمادي، وهكذا كمن الثوار خلف الصخور والاشجار وهم على اتم الاستعداد للقاء العدو ووثوقا بالنصر عليه، كما تم ارسال قوة استطلاعية في الحال لرصد تحركات الجيش الانكليزي وابلاغ قيادة المقاتلين في قمة الجبل بآخر التطورات .
ولما وصل النبأ بتحرك الجيش البريطاني بإتجاه المضيق إتفق الثوار فيما بينهم على عدم إطلاق النارحتى يدخل الجزء الاكبر من الجيش المضيق، عندها يطلق مجاهدوا العمادية النار ايذاناً بوصول المحتلين الى اعلى نقطة في المضيق .
في صباح يوم 8 اب 1919 تقدمت القوات البريطانية في الوادي، واخذوا يتسلقون المضيق شيئا فشيئا حتى ضاق بهم الممر الجبلي العميق والطويل، ومما زاد الطين بله وجود عدد كبير من حيوانات النقل (البغال) التي حملت على ظهورها قطع المدفعية الجبلية والاعتدة، وكعادة البريطانين في مثل هذه المهمات الجبلية الصعبة كان عدد كبير من افراد الجيش البريطاني ينكون من الهنود وطائفة الكوركا .
بعد مضئ حوال الساعة على التوغل، ووصول طليعة القوات مالبريطانية الى اعلى نقطة قريبة من القمة، بدأ مجاهدوا العمادية باطلاق النار من اعلى المضيق حسب الخطة الموضوعة، وهكذا بدأ الثوار من المجموعات الاخرى باطلاق وابل كثيف من نيران بنادقهم على القوات البريطانية الموجودة داخل المضيق بصورة موحدة من كل الجهات، واشتبكوا معهم في قتال ملحمي، حيث سادت صفوف القوات البريطانين موجة من االذعر وعدم الانتظام بسبب عامل المباغتة، وعدم وجود مجال لتحركهم في هذا الوادي، ولان خطة المقاتلين كانت من البراعة بمكان حيث حلت بهم الهزيمة بعد ساعتين من بدء المعركة وتم تكبيدهم حوالي خمسمائة قتيل بينهم ثلاثة ضباط هم: الميجر (الرائد) شبرد، الكابتن (النقيب) لويس ـ اللفتنانت (الملازم) روس، وعدد كبير من الجرحى والاسرى بينهم ضابطان .
وكانت احدى مجموعات المقاتلين التابعة لعشيرة الدوسكي قد اسرت لوحدها 36 جنديا تم إقتيادهم بواسطة ثلاثة من المقاتلين الى قيادتهم في قمة سرعمادية، بعدها اطلق سراحهم، حيث التحقوا بالمعسكر البريطاني في قرية بيياد، وغنم الثوار مدفعين كبيرين واربعة مدافع جبلية صغيرة وثلاثين رشاشاً، ولعدم معرفة المقاتلين استعمال هذه المدافع فقد قاموا باعطابها حتى لايتمكن المحتل من استعمالها مرة اخرى ضدهم .
ومما يجدر ذكره ان احد المقاتلين الذين شاركوا في هذه المعركة ويدعى احمد بنيامين من اهالي قرية باصي الواقعة غرب بامرني والتابعة العشيرة الدوسكي ذكر لكاتب هذه المقالة في بحث ميداني اجري معه في مدينة دهوك عام 1985 مايلي: ((بعد انتهاء المعركة واثناء قيامه بالبحث عن الجرحى لمح اثنين من الجنود الجرحى مطروحين بالقرب من احدى برك الماء التي تستعمل لسقي البساتين يقراون سورة يس على انفسهم وتبين فيما بعد انهما هنديان مسلمان جندهما الانكليز لمقاتلة اخوانهم من المسلمين الكرد طبقاً لسياسة الاستعمار البريطاني (فرق تسد)، واضاف بأن الحاج طاهر الهمزاني المسؤول عن مجموعتهم تمكن في بداية المعركة من قتل احد الضباط الانكليز في مدخل المضيق كان يمتطي بغلاً وصف بأنه نادر المثال وأخذه طاهر لنفسه.
بعد انتهاء المعركة وفرار ماتبقى من الجنود البريطانيين الى معسكرهم الخلفي في قرية بيباد جلس قادة المقاتلين في مقرهم في قمة سرعمادية لتقييم نتائج المعركة ولأعطاء المجال للمجاهدين لكي يخلدوا الى الراحة بعد السهر الطويل والعناء الشديد مع تخصيص مجموعة من مجاهدي العمادية بقيادة سعيد العمادي تقدر بثلاثين مقاتلاً للتمركز في القمة المشرفة على وادي شريفا لصد أي هجوم محتمل من هذه الجهة ولمراقبة الوضع. أما القيادة البريطانية فنظراً لفشلها في إحتلال قمة سرعمادية وللخسائر الفادحة التي ألحقها الثوار بقواتها، فقد تم تعزيز قواتها بقوات إضافية قادمة من سواره توكه، وهكذا بدأ الهجوم البريطاني المضاد بعد ظهر يوم 8 آب على جبهتين، توجه الرتل الاول الى السولاف وتوغلوا في مضيق مزيركا للمرة الثانية حيث جمعوا قتلى جنودهم وأحرقوهم خوفاً من الوباء، أما الرتل الثاني الذي تم تعزيزه بالفوج النسطوري (التياريين) فقد بدأ بشن هجوم كبير بإتجاه وادي شريفا قاصدين الوصول الى سرعمادية من الجهة الغربية بعد قصف مدفعي تمهيدي، حيث سقطت قذيفة بالقرب من مجاهدي عشيرة الدوسكي فأستشهد من جراءها رشيد عبو الباصي، ونتيجة للضغط الكبير والقصف المدفعي الشديد فقد طلبت مجموعة العمادية المشرفة على وادي شريفا النجدة لأن وضعها قد أصبح حرجاً للغاية نتيجة تسلق مقاتلي الفوج النسطوري الى القمة التي كانوا يدافعون عنها، حيث تم تعزيزهم بمجموعة الدوسكي تحت قيادة طاهر الهمزاني ولكن الهجوم الانكليزي إشتد وزاد القصف المدفعي وإقترب المرتزقة النسطوريون من القمة مما حدا بمجموعتي المقاتلين الى الانسحاب شرقاً بإتجاه سرعمادية لقلة عددهما وعدم وصول المدد اليهما، حيث كان بقية المقاتلين يصدون هجوماً بريطانياً آخر قادماً من مضيق مزيركا نفسه، وإستمر القتال شديداً الى اليوم الثاني 9آب، حيث قررت قيادة المقاتلين الانسحاب وتم الايعاز الى المقاتلين بحمل أمتعتهم وأسلحتهم على ظهور البغال والتهيأ للرحيل منتظرين المجموعتين التي كانتا تقاتلان المرتزقة النساطرة في الجهة الغربية من قمة سرعمادية للالتحاق بهما، ومالبث جميع المقاتلين أن أخلوا سرعمادية منحدرين الى منطقة برواري بالا حيث تمكن الجيش البريطاني المعزز بالنسطوريين من الوصول الى سرعمادية يوم 9آب.
وبتاريخ 13آب 1919 أصدرت قيادة الفرقة الثامنة عشر البريطانية بلاغاً عسكريا حول إحتلالها لمدينة العمادية وإشتراك قواتها في معركة مضيق مزيركا ومن ثم إحتلالها لسرعمادية جاء فيه: ((إحتل جنودنا العمادية في 6آب من دون أن يلاقوا مقاومة وقبضوا على بعض الجاندرمة (الدرك) الذين كانوا قد إشتركوا في الهياج وحكم المجلس العرفي على خمسة منهم بالاعدام فشنقوا. وإسترددنا أملاك ومباني الحكومة وإغتنمنا 112تفنكاً (بندقية) ومقدار من الحراب (خناجر) والطبنجات(المسدسات) و9صناديق ذخائر وقد غاب العصاة ولم يشاهد لهم على أثر في جوار العمادية، ولكن في صباح 8 الجاري هوجمت ثلة من عسكرنا عند تقدمها الى مضيق مزوركا، ولم تلبث نجداتنا الى ذلك المضيق فجرى قتال شديد في أثناء تسلق قسم من جنودنا المرتفعات التي هناك وصعدوا في مدة ساعتين ونصف الى علو 2000 قدم وذلك لكي يحتاطوا بالمضيق من جهة الغرب، ثم هجموا على العدو في إحدى القمم بينما كان قسم آخر من عسكرنا يهجم على المضيق، فطرد الاكراد من الأمام الى سرعمادية وبقيت جنودنا محافظةً على المواقع التي ضبطتها، ودام القتال في 9 آب وفيه أجرينا الهجوم على مواضع الاكراد، وتقدمت جنودنا إلى مضيق مزوركا المتصل بالقمة المذكورة ففر العدو تاركاً على الارض عشرين جثة وتقدر خسارته بما يقارب الـ25قتيلاً والـ35جريحاً، وعلى اثر ذلك ساد السكون القمم التي تغشى مضيق مزوركا)).
أما خسائر المقاتلين فكانت طفيفة لاتقاس بخسائر العدو، ولاتزال بعض قبور شهداء هذه المعركة ظاهرةً في الجزء العلوي من المضيق وقد إطلع عليها كاتب هذه المقالة.
 

أعلى الصفحة